الاثنين 29 يونيو 2026 م - 14 محرم 1448 هـ
أخبار عاجلة

هل يستمر العرض؟

هل يستمر العرض؟
الاثنين - 29 يونيو 2026 10:35 ص

فراس بن عبدالله التوبي


من أصعب المهام التي تواجه صنَّاع العروض الفنيَّة والفعاليَّات الثقافيَّة اختيار عنوان يختزل روح العمل ويلامس وجدان المتلقي؛ وهنا يحضرني إلهام الروائي الكبير «جابرييل جارسيا ماركيز» العميق، ليذكرنا بأن الحُب والثقافة صنوان لا يفترقان، ولا يمكن لأحدهما أن يعيش بمعزل عن الآخر. في قلب المشهد الثقافي والإبداعي، حيث تتشابك جهود الفنانين والحرفيين والإداريين والداعمين، تتجلى أسمى معاني الشغف الإنساني. إنه ليس مجرد عمل روتيني، بل هو حُب خالص للأعمال الفنيَّة ورسائلها النبيلة، وتعلُّق حقيقي بفِرق العمل والجهات الراعية وجمهور المتفرجين. إنه الشغف بالمخاض الإبداعي الطويل الذي يولد فيه العمل الفنِّي، ليعْبر الحدود الثقافيَّة والجغرافيَّة ويلاقي عشاقه هنا وفي كل مكان على وجه الأرض.لكن، حين تندلع المآسي الكبرى وتتسع رقعة الموت، يبرز التساؤل الأكثر إيلامًا وشرعيَّة: هل يجب أن نُعلِّق كل هذا الجمال في انتظار انقضاء الحرب؟!.إنَّ صمود القطاع الثقافي والإبداعي لا يأتي من فراغ، بل ينبض بحاجة إنسانيَّة فطريَّة عميقة، وتلبيةً لنداء مُلحٍّ يتجاوز حدود الهواية إلى رحاب الاحتراف والمسؤوليَّة المُجتمعيَّة. حين تثور البراكين وتضطرب حركة الملاحة العالميَّة، نصغي لصوت الطبيعة القاسي ونتدبر أمرنا ونتأقلم. وحين تُغلق الأزمات الدبلوماسيَّة أبوابًا في وجوهنا، تفتح الأقدار نوافذ وبدائل غيرها. تتغير الحكومات، ويتذبذب الدعم المؤسَّسي والمالي، وتلوح الأزمات الماليَّة في الأُفق، فنقاوم بضراوة ونتمسك بحقنا الأصيل في الوجود والتعبير. يداهمنا وباء عالمي يفرض العزلة، فيكون التضامن الإنساني سبيلنا الوحيد للنجاة، وتدق أزمة المناخ ناقوس الخطر، فنتساءل ونتحرك بمسؤوليَّة.ولكن.. ماذا عن الحرب؟! وما موقع الثقافة والفن حين تدوي المدافع؟تشتعل المنطقة اليوم بنيران مأساويَّة ترسم قوس لهب إقليميًّا وعالميًّا يتوسع بسرعة مقلقة، حاملًا معه رياح الفوضى. تتصارع الإرادات وتتباين المصالح الاستراتيجيَّة على وقع حسابات القوَّة والنفوذ المجردة. فأيُّ هدوء يمكن أن يلوح في الأُفق؟ وأيُّ مخرج سريع ننتظره وسط هذا الاستنزاف الممتد، حيث تُقرع طبول المعارك الطاحنة بين دول، وأعراق، وأديان، بل وحتى بين مذاهب تنتمي لعقيدة واحدة تتشارك الأرض والتاريخ؟ إنها روليت العنف المفتوحة على مصراعَيْها، والتي تهدِّد بتمزيق النسيج الاجتماعي والإنساني وتفريغ الأوطان من معناها.في خضم هذا المشهد القاتم والمعقَّد، تجد الصناعة الثقافيَّة والمؤسَّسات الفنيَّة نفسها أمام حتميَّة الفعل لا الانتظار السلبي. في الأولويَّة العاجلة، يبرز الواجب الإنساني والمهني المتمثل في تأمين سلامة الزملاء، تليها حماية الأُصول والممتلكات والمقتنيات الفنيَّة. بعد ذلك، تبدأ المرحلة الإداريَّة والماليَّة المتمثلة في تقييم الخسائر المباشرة والتداعيات قصيرة الأمد على استمراريَّة المؤسَّسات. أمَّا على المدى المتوسط، فيتعين على المؤسَّسات الفنيَّة حساب «تكلفة الفرصة البديلة»، وتكلفة بناء المشاريع وإعادة إحيائها في سوق تتقلص مساحتها باستمرار تحت وطأة النزاعات والتقشف، ناهيك عن الالتزام الحتمي بدفع التكاليف الثابتة، والحفاظ على الكوادر البشريَّة، وامتصاص صدمة الارتفاع الجنوني في أسعار الطاقة والنقل والتشغيل. وهنا تفرض الأسئلة الثقيلة نفسها بحدَّة: هل يتمُّ إلغاء الفعاليَّات الفنيَّة والثقافيَّة؟ أم نمضي بها متحدِّين الظروف؟ وما مصير الإنتاجات والابتكارات الجديدة المخطط لها؟.إنها تساؤلات وجوديَّة ومهنيَّة، يطرحها اليوم أيُّ فرد أو كيان فاعل، فنحن في النهاية جزء لا يتجزأ من «العاديين» من البشر؛ نحن سواعد تبني، وتزرع، وتعمر بلا هوادة في أرضٍ باتت آلة الدمار والتخريب فيها هي السَّيد وصاحب الكلمة العُليا.هل علينا أن نعتذر أو نبرِّر رغبتنا في الحفاظ على إيقاع الحياة الطبيعيَّة، ومحاولة التخطيط لمستقبل الموسم الثقافي القادم؟ إننا نستيقظ كل صباح لكي نواصل العمل الدؤوب، ونبضات قلوبنا معلَّقة بمسرحٍ موازٍ ومظلم.. مسرح العمليَّات العسكريَّة، وويلاته، وأوجاعه الدامية التي لا تنتهي.

يقول المثل الإنجليزي الشهير الذي يعكس روح المقاومة والصمود: «يجب أن يستمر العرض» (The show must go on).

وسط هذا العجز السياسي والتقاطعات الاقتصاديَّة المعقَّدة، أثبتت التجارب الإنسانيَّة أن الفنون والثقافة ليست مجرد ترفيه أو كماليَّات، بل هي الحل الأخير والبلسم الشافي لجميع الأزمات. عندما تنهار لُغة الحوار وتتكسر الدبلوماسيَّة على صخرة المصالح، تظلُّ لُغة الفنِّ قادرة على اختراق جدران الكراهية، وبناء جسور التواصل بين الشعوب المتناحرة. الثقافة هي الذاكرة التي تحفظ هُويَّة المُجتمعات من الاندثار، والفنُّ هو الأداة الفاعلة لتضميد الجراح المُجتمعيَّة وإعادة بناء الإنسان من جديد. إن الاستثمار في العقول والجمال هو الملاذ الآمن والأمل الباقي لإنقاذ البشريَّة من مستنقع العنف والدمار.

وبين بريق الآداب والفنون، ووحشة الحروب وظلماتها الدامسة، يبقى الخيار بديهيًّا لا لبس فيه؛ فالنور هو وحده ما يبقي إنسانيَّتنا حيَّة ومقاوِمة.

ننتظركم دائمًا في أقرب مسرح إليكم.

فراس بن عبدالله التوبي

كاتب عُماني