الثلاثاء 30 يونيو 2026 م - 15 محرم 1448 هـ
أخبار عاجلة

ليس كل ما يبدو طازجا آمنا !

ليس كل ما يبدو طازجا آمنا !
الاثنين - 29 يونيو 2026 10:35 ص

د. يوسف بن علي الملَّا

20

في أيامنا هذه ومع الوعي الصحي، أضحى الكثير من الناس يظنون أنهم على دراية كاملة بما يضعونه على موائدهم. يذهب أحدنا إلى السوق، يختار الخضار المعروضة ، يلمس الفاكهة ليتحقق من نضجها، ثم يعود إلى بيته مطمئنًّا، غير أن هذه الطمأنينة في حد ذاتها قد تكون أخطر شيء على صحته.

فالحقيقة التي قد نغفل عنها جميعنا هي أن الحواس البشرية قد تعجز أحيانًا عن الكشف عن الأخطار الحقيقية المختبئة في الطعام.ولكي أكون واضحًا فالأمر هنا لا يتعلق بالرائحة الكريهة أو اللون المتغير . صحيح أن هذه العلامات قد تدل على فساد، لكنها لا تدل بالضرورة على خطر. والأخطر من ذلك أن أشد الميكروبات خطرًا على صحة الإنسان لا تترك أي أثر مرئي أو محسوس.

فعلى سبيل المثال ،بكتيريا السالمونيلا لا تغير لون الدجاج، وبكتيريا الليستيريا لا تفسد رائحة الجبن الطازج. بل إن هذه الكائنات تعيش في صمت تام، وتتكاثر في الخفاء، وتضرب حين يكون الإنسان في أبعد نقطة عن الشك.ففي عام ٢٠٢٣م نشرت مجلة لانست الطبية دراسة أظهرت أن نحو ستمائة مليون شخص حول العالم يصابون بأمراض منقولة عبر الغذاء سنويًّا، يموت منهم قرابة أربعمائة وعشرين ألف شخص، حيث كان الجزء الأكبر منهم يتناولون طعامًا بدا لهم مقبولًا بكل المعايير الحسية.وعندما نتابع بعمق هذه الدراسة ستجد في هذه الإحصائية أنها لا تشمل الدول النامية فحسب، بل تمتد لتطال المجتمعات المتقدمة ذات الأنظمة الصحية المتطورة، وهذا ربما دليل على أن المشكلة ليست مشكلة فقر أو جهل بالضرورة، بل هي مشكلة فهم خاطئئ لطبيعة الغذاء الآمن.بطبيعة الحال، الخضراوات الطازجة ليست بمنأى عن هذا الخطر. فبالرغم من الصورة الصحية التي تحملها في أذهاننا ، إلا أن دراسة نشرت بعام ٢٠٢٤م بينت بأن الخس والسبانخ والكزبرة ـ مثلًا ـ هي من أكثر الأغذية تلوّثًا ببكتيريًّا ـ إي كولاي ـ المعوية . حتى أنه تم الإشارة إلى أن الغسيل المنزلي المعتاد بالماء البارد يزيل أقل من أربعين بالمائة من الملوثات السطحية فقط، بينما تبقى الملوثات الداخلية وتلك المتعمقة في الشقوق دون تأثر يذكر. ومع ذلك يبقى الخس يلمع بخضرته،ولا شيء يوحي بأن هنالك خطر يكمن خلف ألوانها!.

وتزداد الصورة تعقيدًا حين ندخل عالم الأسماك والمأكولات البحرية. ولست هنا بصدد الحديث عن تجنب أكلها ، خصوصا ونحن بالسلطنة من محبين تناول الأسماك، إلا أن التدقيق والتأكد من مصدرها أيضًا مهمًّا .هذا إذا ما أدركنا بأن السمك الطازج الذي اصطيد صباحًا وعرض في السوق ظهرًا قد يكون آمنًا ولكن قد يحمل مستويات من الزئبق أو السموم البيولوجية كسموم الأسماك المرجانية والتي لا يمكن لأي وسيلة طهي تدميرها.

وبالتالي كل هذا يقودنا إلى سؤال جوهري: كيف نحمي أنفسنا إذن؟ الإجابة لا تكمن في الخوف المفرط أو رفض الغذاء الطازج، بل حقيقة في تحويل الثقة من الحواس إلى العلم. فعلى سبيل المثال ، درجة الحرارة هي الحارس الأول ،خاصة وأن الطهي الجيد على حرارة خمسة وسبعون درجة مئوية للحوم والدواجن يقضي على غالبية الميكروبات الممرضة. وأشير هنا أيضا إلى منع التلوث المتقاطع بين الأطعمة النيئة والمطبوخة، واستخدام ألواح تقطيع منفصلة، بل وغسل اليدين بصابون لمدة عشرون ثانية قبل التعامل مع الطعام ، وهي كلها طبعا كما نعي جميعنا ممارسات تبدو بسيطة لكنها تقوم على أساس علمي !

ختاما ، ما يجب أن يتغير واقعيا هو قناعتنا الراسخة بأن ما يبدو جيدا هو ليس بالضرورة آمن، فهذه القناعة وحدها مسؤولة عن ملايين الحالات سنويا، وستبقى كذلك ما لم نعد النظر في علاقتنا مع الغذاء من جذورها!

د. يوسف بن علي الملَّا

طبيب ـ مبتكر وكاتب طبي

[email protected]