التَّمسُّك بالقيم والمبادئ الإسلاميَّة والعربيَّة مسألة غاية في الأهميَّة، ولعلَّ الفئة الأكثر أهميَّة لأيِّ أُمَّة هي شبابها؛ عنصر القوَّة، حاضرها ومستقبلها. وما يُشاهد ـ ولا نعمم بكل تأكيد ـ أن هناك نوعًا من الانجراف غير المدروس نحو اتباع عادات وقيم ثقافيَّة لا تمتُّ لأُمَّتنا ولا لثقافتنا الإسلاميَّة والعربيَّة بصلة، سواء كانت تلك العادات تدخل في ما يتعلق بالطعام والشراب، أو الأخلاق المتعلقة بالحركة والحديث واللباس والنوم، أو قيم التعامل مع أفراد المُجتمع الأكبر أو الأصغر سنًّا، أو ما يتعلق بجانب العمل والتعليم ورؤية هذا الجيل إلى بقيَّة الأمم والثقافات وغير ذلك.
ما يُشاهد ـ وللأسف الشديد ـ أن العديد من القيم التي تحفظ الدِّين والأخلاق والعادات والتقاليد العربيَّة والمحليَّة قد شابها نوعٌ من العصرنة العمياء، وأحاط بها التغيير المبني على الاتباع الأعمى للثقافة الغربيَّة. وإن كنتُ مقتنعًا أن ما يحدث اليوم ويصيب هذه الأُمَّة في حضارتها وثقافتها وعِظَم مكانتها وشبابها ليس بهذا السوء، فلعلَّ الله، كما يقول ذلك الأستاذ الكبير مالك بن نبي ـ رحمه الله ـ يريد شيئًا من ذلك كله، وكأنما هذا استدراج، تسوق الأقدار فيه المُجتمع الإنساني المتحضر إلى الطريق حيث تنتهي فيه أخطاؤه لتفسح مجالًا لتجربة أخرى بعد فشل التجارب السابقة. ولكن ذلك، بالطبع، لا بد أن يدعونا إلى عدم إهمال البحث في تلك الأسباب التي أدَّت إلى هذا التراجع الأممي لهذه الحضارة الإنسانيَّة العظيمة الخالدة، وما شاب قيمها وعمود قوتها، أقصد شبابها.
نعم، ما يحدث في حاضر هذه الأُمَّة الإسلاميَّة عمومًا أمر يصعب قَبوله لكل ذي غيرة؛ فحاضر هذه الأُمَّة تتقاذفه هيمنة الغرب، أمَّا الشباب فكما قال صلى الله عليه وسلم: «لَتَتَّبِعُنَّ سَنَنَ مَن قَبْلَكُمْ شِبْرًا بشِبْرٍ، وذِراعًا بذِراعٍ، حتَّى لو سَلَكوا جُحْرَ ضَبٍّ لَسَلَكْتُموه». قُلنا: يا رَسولَ اللهِ، اليَهودَ والنَّصارى؟ قال: «فمَن؟» صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وهنا أتساءل حول أسباب تلك الرجعيَّة والتخلُّف والتبعيَّة والانقياد والهوان الذي يعيشه أبناء الحضارة الإسلاميَّة وأُمَّة المسلمين في هذا الزمان: ما الأسباب التي وضعت هذه الحضارة العظيمة في هذا الموقف المؤسف من الضعف والانحطاط والفتور؟ ولدرجة أن يقال إن هذه الحضارة لم تَعُد صالحة للحياة والاستمرار ومواكبة التقدم البشري والإنساني والحضاري؟
نعم، إن هذه الحضارة الإسلاميَّة العظيمة التي تم الافتراء عليها وتوجيه التهم والشبهات إليها لا تتحمل ـ من قريب أو بعيد ـ أسباب تفكك واقعها الجغرافي والاجتماعي والتاريخي. فالذَّات ـ كما يؤكد ذلك علماء الاجتماع ـ هي مَن يخلق الوقائع، والتاريخ هو مَن يفرض القيم المرتبطة بسُلطته. فإذا كانت هذه الحضارة وقيمها ومبادئها، كما يدَّعي بعض الجهلة في فهم وقراءة التاريخ الإنساني والحضاري، قد تراجعت قليلًا إلى الوراء لأسباب سياسيَّة واقتصاديَّة بينما تقدمت حضارة الغرب الماديَّة الخانقة، فذلك ليس أكثر من أن ذلك الغرب قد قُدّر له، في وقت من الأوقات، فرصة أن يعيد تركيب واقعه الجغرافي والتاريخي والاجتماعي، وهو الذي جعله يفرض ثقافته كنموذج لكل ثقافة ممكنة وقائمة.
وكما يقول المفكر العربي السوري برهان غليون في كتابه «اغتيال العقل»: إن «فقدان الثقة بالثقافة القوميَّة، وابتعاد الناس عنها، واستلهام الثقافة السائدة في طلب العلوم وفي المبادئ الموجهة للأخلاق والقيم والعادات والتقاليد، بحيث يرتبط تمدن الفرد وتحضره بدرجة تمثيله للقيم وأنماط السلوك الغربيَّة، لا صلة له بنقص مفترض في هذه الثقافة، سواء وُجد هذا النقص أم لم يوجد».
وبالتالي فإن إقبال أبناء المُجتمعات الإسلاميَّة والعربيَّة اليوم على الحضارة الغربيَّة وثقافتها وقيمها ورصيدها المعرفي والإنساني لا يفترض جدلًا نقصًا أو خللًا في الحضارة أو الثقافة الإسلاميَّة وقيمها ومبادئها، ولا يعني إفلاسها بالضرورة، أو أنها أصبحت غير صالحة لمواكبة التطور الإنساني والحضاري.
بل ذلك يؤكد الخلل في الجانب الآخر من المعادلة الحضاريَّة، ونقصد الذَّات التي يُمثِّلها المُجتمع الإسلامي والمسلمون، والتي عجزت عن المحافظة على رصيدها الحضاري والثقافي المتمثل بقيم ومبادئ ومُثُل تلك الحضارة والثقافة الإسلاميَّة، وتحديدًا في جانبها المعرفي وقيمها الإنسانيَّة والأخلاقيَّة العابرة للقارات، ممَّا دفع التاريخ الآخر إلى فرض سُلطته على ذلك الواقع من خلال استبدال ذلك النقص بواقع آخر كانت فيه القيم الحضاريَّة والإنسانيَّة الغربيَّة أقرب إلى التمثيل وفرض الذَّات والهيمنة على الجيل الحاضر تحديدًا.
وبمعنى آخر، فإن العجز المفترى والموجَّه إلى الحضارة الإسلاميَّة بثقافتها وقيمها ومبادئها الفاضلة «يرجع في جوهره إلى أن المُجتمعات التي كانت تستلهمها قد فقدت مكانتها العالميَّة وقلَّ تأثيرها في تقرير مصير البشريَّة، وأنها قد بدأت تدخل في الحضارة الجديدة وهي لا تملك أي وسيلة للسيطرة عليها، وهي تستقي قيمتها من ثقافة أخرى لا صلة لها بها؛ فالعقل لا يستطيع أن يرد إلَّا على متطلبات واقع يسيطر عليه ويتحكم به ويكون هو نفسه جزءًا منه، وإلَّا فهو بالضرورة وعي بالعجز وإدراك القصور».
نعم، إن القيم البديلة بمختلف مستوياتها، والتي فرضتها الحضارة الغربيَّة على واقع الحضارة الإسلاميَّة اليوم، واستلهمها التبعيون من أبناء هذه الأُمَّة دون تمحيص، وذلك بسبب سوء تمثيل المسلمين لهذه الأخيرة ـ خصوصًا فئة الشباب منهم ـ وضعف إرادتهم في المحافظة على واقعهم وقيمهم الحضاريَّة وثقافتهم الإسلاميَّة العظيمة، أفقدتهم استقلالهم الذَّاتي، وفككت وحدة صفهم، ممَّا أدَّى بدوره إلى هيمنة ثقافيَّة غربيَّة نازعتهم مكانتهم الحضاريَّة ودورهم القيادي العالمي. وهو ما أدَّى، في نهاية الأمر، إلى هذا الواقع المخجل المرير لأُمَّة عظيمة أراد الله لها أن تكون خير أُمَّة أُخرجت للناس، قال تعالى: (كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ) صدق الله العظيم.
وإني، وإن كنت أشاهد ليل الشرق داجيًا مكفهرًا بقلب مفطور مفجوع، من خلال هذا الواقع المرير المفلس لأبناء أُمَّة عظيمة لا يخفى حالها المحزن على أحد، فإن هذا الخوف لا يدفعني إلَّا إلى إيمان كامل بقدرة هذه الأُمَّة العظيمة، من خلال أبنائها الشرفاء المخلصين في كل بقاع الأرض، على تخطِّي واقعها هذا، ودفع التاريخ الإنساني إلى إعادة سُلطتها ومكانتها العالميَّة إليها من جديد خلال العقود القليلة القادمة، بإذن الله.
محمد بن سعيد الفطيسي
باحث في الشؤون السياسية والعلاقات الدولية
رئيس تحرير مجلة السياسي – المعهد العربي للبحوث والدراسات الاستراتيجية
MSHD999 @