نعيش اليوم في واقع غريب يثير الدهشة نوعًا ما؛ حيث سيطرت فيه الأجهزة الذكيَّة، بما تحمله من تطبيقات وبرامج ومواقع إلكترونيَّة، وأدوات الذكاء الاصطناعي سريعة التطور والانتشار، على معظم الوقت الذي نقضيه يوميًّا، سواء كنَّا صغارًا أو كبارًا، من دون أن نفكر: إلى أين سنصل في استخدامها؟ وما الجدوى التي يجنيها أبناؤنا منها كل يوم؟
هذا يدعونا إلى التأمل والتفكر قليلًا، وأن نستعيد دورنا التربوي كأُسَر مسؤولة عن مواجهة هذا التحدِّي التقني والتربوي: كيف نستطيع أن ننشئ أبناء يحملون قيمًا وطنيَّة رقميَّة صالحة وهم يجرهم تيَّار الثورة الرقميَّة المتسارع إلى الوطن الافتراضي الجديد؟
لذلك يتطلب منَّا، كأُسَر واعية وذكيَّة، في عصر الذكاء الاصطناعي، أن نسارع في تجهيز أبنائنا بالقيم والأخلاق والمبادئ والاستخدام المسؤول الآمن للتقانة، والتي تُمثِّل المواطن الرقمي الصالح، من دون أن نلجأ إلى حرمانهم من استخدامها أو نضطر إلى اتباع أساليب الرقابة المشددة. ولا بدَّ أن نعلمهم بأن كل فرد عليه أن يكون مستعدًّا للانضمام إلى هذا الوطن الافتراضي، ومسؤولًا عن نفسه، وواعيًا بفوائد ومخاطر التقانة الحديثة منذ الصغر، حتى يكون قادرًا على مواجهة التحدِّيات كافة التي تواجهه مستقبلًا، ويصبح مواطنًا رقميًّا صالحًا يخدم نفسه ووطنه؛ لأن الأطفال والمراهقين اليوم أصبحوا يقضون وقتًا أطول في استخدام التقانة أكثر من أي وقت مضى. وهذا ما يؤكده تقرير اليونيسف لعام 2023م، الذي أشار إلى أن (79?) ممَّن تتراوح أعمارهم بين (15) و(24) عامًا يستخدمون منصَّات التواصل الاجتماعي عبر الإنترنت، وهذا ما يعرضهم إلى مواجهة تحدِّيات عديدة، منها الابتزاز الإلكتروني، والمخاطر الصحيَّة الجسديَّة، والإدمان الرقمي الذي يؤدي إلى العزلة عن الآخرين وما يصاحبه من آثار ومخاطر نفسيَّة. من هنا تبرز تساؤلات عدَّة، منها: كيف سنُعد أبناءنا للتكيُّف في هذا الوطن الافتراضي الجديد؟ وهل سيكونون قادرين على حماية أنفسهم وحماية الآخرين؟ أم سنتركهم يجرهم تيَّار التقانة من دون توجيه وإرشاد؟
هنا ـ من وجهة نظري ـ سيكون الحل في نشر ثقافة مفهوم المواطنة الرقميَّة للردِّ على هذه التساؤلات التي قد تتبادر إلى أذهان المربين اليوم؛ إذ يعكس هذا المفهوم ضرورة وعي الأُسر بـ«الإطار المتكامل من المبادئ الأخلاقيَّة والضوابط السلوكيَّة والمعايير القانونيَّة التي تنظِّم علاقة الفرد بالعالم الرقمي» (2018). وهذا يُمثِّل امتدادًا للمواطنة التقليديَّة، ويتطلب الشعور نفسه بالانتماء والولاء والمسؤوليَّة في الوطن الافتراضي الجديد؛ لذلك يُعَد نشر ثقافة المواطنة الرقميَّة مسؤوليَّة مشتركة تبدأ من واقع الأُسرة اليومي، وصولًا إلى دور المُجتمع والمؤسَّسات التعليميَّة ووسائل الإعلام بشكل أوسع. وهذا يتطلب دوري كمربٍّ ذكي بأن أستخدم مع أبنائي سياسة السماح بالاستخدام مقابل الحرمان والمنع، مع ضرورة التوجيه والدعم والتمكين من الاستخدام الصالح. فالأُسرة الذكيَّة اليوم ليست التي تمنع وتحرم أبناءها من استخدام الأجهزة الذكيَّة في هذا العصر الرقمي، بل تلك التي تكون قادرة على بناء جسر من الثقة والتواصل الفعال مع أبنائها وتوجيههم بشكل مستمر إلى كيفيَّة الاستخدام الذكي لهذه التقانة.
من هذا المنطلق، يبرز دور الأُسرة الذكيَّة هنا كحجر أساس في بناء وتنشئة المواطن الرقمي المسؤول، في خطوات عمليَّة قدَّمها الباحثان ريبل وبارك (2024) في دليل المواطنة الرقميَّة لقادة المدارس «تعزيز التفاعل الإيجابي عبر الإنترنت»، ويمكن الاعتماد عليها كأفكار تساعد أبناءنا الرقميين في حياتهم الرقميَّة. إذ يمكن للأُسرة أن تبدأ ببناء الثقة، فهذه تُعَد الخطوة الأولى الأكثر فاعليَّة لتعزيز العلاقة بين الأُسرة وأبنائها، ثم الانتقال إلى عدم تحميل الأبناء مسؤوليَّة المشكلة، بل سؤالهم عن دوافع السلوك الرقمي بدلًا من إلقاء اللوم الفوري، ممَّا يشجعهم على التفكير الناقد وطلب المساعدة عند الحاجة. بالإضافة إلى ذلك، لا بدَّ للأسرة الذكيَّة أن تساعد أبناءها على فهم الصورة الكاملة، وتعليمهم بأن التفاعل عبر العالم الرقمي يختلف عن طريقة التفاعل في الحياة الواقعيَّة، وأن يكونوا أكثر حذرًا في تعاملاتهم مع الأشخاص الآخرين، مع التَّمسُّك بمبادئهم وقيمهم الأخلاقيَّة والاستخدام الآمن والمسؤول للتقانة. كما أن الاستماع والحوار مع الأبناء والتعرف إلى وجهة نظرهم والتفاعل معهم أمر مهم جدًّا للتغلب على التحدِّيات والصعوبات التي قد تواجههم في العالم الرقمي.
وتأتي خطوة تشجيع الأبناء على المشاركة في وضع القواعد الرقميَّة في البيت كخطوة مهمَّة في بناء الالتزام الذَّاتي، فـ»الميثاق الرقمي العائلي» الذي يُصاغ بمشاركة جميع أفراد الأُسرة ويحدد أوقات الاستخدام وأنواع المحتوى المسموح بها وقواعد التفاعل الرقمي وإجراءات طلب المساعدة، يصبح عقدًا اجتماعيًّا يُحترم لأنه نابع من اتفاق جميع أفراد الأُسرة وليس من طرف الوالدين فقط.
وفي كل هذا، يجب أن تتسم التوعية الأُسريَّة الذكيَّة بالتوازن دون الإفراط في التخويف؛ فلا بدَّ من رفع وعي الأبناء في حياتهم الرقميَّة، وعدم المبالغة في تخويفهم من استعمال التقانة والأجهزة الذكيَّة، ولا تساهل من قبل الأسرة في الوقت نفسه قد يعرِّض الأبناء إلى خطر التقانة؛ بل لا بدَّ من التوازن في تقديم شرح واقعي للمخاطر التي يمكن أن يتعرضوا لها من استخدامها، والتركيز أيضًا على الفرص والجوانب الإيجابيَّة التي يمكن أن توفرها التقانة الحديثة، وتفتح لهم آفاقًا للإبداع والتعلم والتواصل الفعَّال مع الآخرين.
ويظل نشر ثقافة المواطنة الرقميَّة مسؤوليَّة مُجتمعيَّة مشتركة بين الأُسر والمدرسة وأهالي الأصدقاء في العصر الرقمي، وبالتحديد انطلاقًا من دور الأُسرة الذكيَّة في اتباع أسلوب التربية الحديثة من المنع إلى ضرورة التوجيه والإرشاد والتمكين الرقمي للأبناء.
نوف بنت عمران المعمرية
كاتبة عُمانية