الأربعاء 24 يونيو 2026 م - 9 محرم 1448 هـ
أخبار عاجلة

وأشرق عام هجري جديد على حياتنا «2»

الأربعاء - 24 يونيو 2026 02:51 م

لقد كان منهاج هدي السلف الصالح أنهم يخافون نفوسهم كما يخافون وساوس الشيطان، وكانوا يحاسبون أنفسهم عند كل قول أو عمل، فلا يُقدِمون على عمل أو قول إلا ووضعوا لأنفسهم سؤالين هل العمل أو القول أريد به وجه الله تعالى.

وما نلاحظه في هذه الحياة من بعض الناس أنهم لم يهتموا بالوقت واستغلاله الاستغلال الأمثل، فتوجهت به أنفسهم الإمارة بالسوء والدنيا والشيطان وأصحاب السوء الى الجهل والتفريط والعجز والراحة والدعة وإلى ضياع الكنز العظيم من الاعمال الصالحة.. فقلّت الهمم وتؤجلت الأعمال.. بعضهم يقضيه عبر وسائل التواصل الاجتماعي، والآخر يقضيه ساعات طوال في متابعة المسلسلات والأفلام والأغاني.. وبعضهم يقضيه في مجلس مع أصدقائه في الغيبة والنميمة ونسوا ذكر الله، تمر عليه ساعات في اليوم والليلة وهذا حاله سنوات مرت من عمره عاشها.. هكذا فضاع وقت من عمره بدون فائدة تعود عليه في دنياه وآخرته، ترك الصلوات وتكاسل في أداء الطاعات والعبادات في أوقاتها.

فيا أخي الغالي.. ألم تتفكر كيف مرت عليك هذه السنوات مرور الليل والنهار من كل يوم من حياتك؟! فهناك فئة الناس استغلت كل لحظة وجاهدت النفس وبذلت الغالي والنفيس في كل أوقات حياتها.. فحددت مسارًا واتجاهًا ساميًّا.. ومن خلاله استطاعت استغلال الوقت بمختلف الأعمال والعبادات التي يتحقق من خلالها العمل الصالح، قال الرسول (صلى الله عليه وسلّم): (لَا تَزُولُ قَدَمَا عَبْدٍ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، حَتَّى يُسْأَلَ عَنْ عُمُرِهِ فِيمَا أَفْنَاهُ..) (رواه الترمذي)، وقال (عليه الصلاة والسلام):(اغْتَنِمْ خَمْسًا قَبْلَ خَمْسٍ: شَبَابَكَ قَبْلَ هِرَمِكَ، وَصِحَّتَكَ قَبْلَ سَقَمِكَ، وَغِنَاءَكَ قَبْلَ فَقْرِكَ، وَفَرَاغَكَ قَبْلَ شُغْلِكَ، وَحَيَاتَكَ وأقَبْلَ مَوْتِكَ) (رواه الحاكم، .ولقد أمر نبينا (صلى الله عليه وسلم) بالمبادرة إلى الأعمال قبل حلول العواقب، حيث قال (صلى الله عليه وسلم):(بادروا بالأعمال سبعًا، هل تنتظرون إلا غنىً مطغيًا، أو فقرًا منسيًا، أو مرضًا مفسدًا، أو هرمًا مفندًا، أو موتًا مجهّزًا، أو الدجال فشر غائب ينتظر، أو الساعة، فالساعة أدهى وأمر).. وها هو الإمام ابن القيم يبين هذه الحقيقة بقوله:(وقت الإنسان هو عمره في الحقيقة، وهو مادة حياته الأبدية في النعيم المقيم، ومادة معيشته الضنك في العذاب الأليم، وهو يمر مرَّ السحاب، فمن كان وقته لله وبالله فهو حياته وعمره، وغير ذلك ليس محسوبًا من حياته.. فإذا قطع وقته في الغفلة والسهو والأماني الباطلة وكان خير ما قطعه به النوم والبطالة، فموت هذا خير من حياته)، وقد جاء في الأثر أنه: (ما من يوم ينشق فجره إلا وينادي: يا ابن آدم، أنا خلق جديد، وعلى عملك شهيد، فتزود مني، فإني لا أعود إلى يوم القيامة)، وكان الحسن البصري ـ رحمه الله ـ يقول:(يا ابن آدم إنما أنت أيام إذا ذهب يوم ذهب بعضك)، وقال الصحابي الجليل عبد الله بن مسعود (رضي الله عنه):(ما ندمت على شيء، ندمي على يوم غربت شمسه، نقص فيه أجلي، ولم يزدد فيه عملي).

فعجيب أمر هذا الإنسان تمر عليه عوارض وأحداث وقصص عجيبة وغربية ومع ذلك مازال يؤمّل أماني وطموحات طويلة تفوق له ما قُدِّر له من العمر أن يعيش في هذه الدنيا، مرّت أعوام من حياتنا.. وها نحن نعيش بداية عام جديد يجب علينا أن نقف مع أنفسنا وقفة صادقة ومحاسبة صارمة ونختلي بأنفسنا كيف انصرفت أعوامًا من حياتنا.. ماذا قدمنا إلى يوم الميعاد يوم الحساب الأكبر ونحن في أمسِّ الحاجة الجادة إلى رضوان الله في كل عمل نتقرب به إلى الرحمن الرحيم.. فمن جاهد وحاسب نفسه ووجد مسار حياته متجه إلى عمل صالح يقربه إلى الله فيواصل هذا الاتجاه المبارك الذي يعبر به إلى شاطئ الأمن والأمان مطبّقًا أوامر الله ومهتديًا بالمنهج المحمدي.. فلا يغرينك الشيطان والنفس الإمارة بالسوء وشهوات الدنيا.. فاثبت على هذا المنهج الذي سوف تحيا به في الدنيا والآخرة حياة الإيمان والتقوى.

مبارك بن عبدالله العامري

 كاتب عماني