الجمعة 26 يونيو 2026 م - 11 محرم 1448 هـ
أخبار عاجلة

الهجرة النبوية والتدابير الإلهية «قراءة متأنية فـي أحداث الهجرة» «2»

الأربعاء - 24 يونيو 2026 02:49 م
20

.. ثم تأتي تدابير الله في استثمار جهود المرأة حتى ولو حاملًا، أم غير حامل، متزوجة أم غير متزوجة، فكانت أسماء بنت أبي بكر - رضي الله عنهما - ممثِّلة لشريحة المرأة المتزوجة الحامل التي مثَّلت كتيبة الإمداد، والتزويد، والتموين، حيث كان دورُها حملَ الطعام، والشراب إلى الرسول - صلى الله عليه وسلم - وصاحبه في الغار ثلاثَ ليالٍ متتابعة، وكان من تدابير الله أن اختارها الرسول سيدةً، وحاملا في أيَّامها الأخيرة، تخرج، وتتمشى لتيسير الإنجاب، وخروج الوليد دونما تعب، ولا يشك فيها أحد؛ إذ هي حرة، وبنت أحد أكابر مكة المحبوبين من الجميع، وهو أبوها أبو بكر - رضي الله عنه -، وهو تاجر أمين، ومشهور بين الناس، فقامت بمهمتها، ونهضت بواجبها تجاه الإسهام في حادث الهجرة المباركة، ونجحت كل النجاح في ذلك، وسماها الرسول ذات النطاقين، حتى مضوا إلى المدينة سالمين، وكذلك السيدة عائشة - رضي الله عنها- التي قامت بدور التمويه، والتخفية عن مكان أبيها إذ حضر جدُّها لأبيها (أبو قحافة والد سيدنا أبي بكر) سائلًا عن ابنه أبي بكر ووجهته، فقالت: لا أدري إلى أين توجه، فقال: هل ترك لكم من نقود؟، فجاءت له بصرة فيها بعض صغار الحصى، (وكان جدها كفيفا) فوضع يده فاطمأن، وسكت، ولو لم تتصرف هذا التصرف لَصَرَخَ، وأعلم مكة كلها بأنه قد هاجر الرسول، وصاحبه، ولأسرع أهل مكة بتعقبه، والإمساك به، وبصاحبه، ولضاعت الهجرة، وبقي الإسلام ضعيفا في مكة، مهيض الجناح، فكانت المرأة ممثلة في أسماءَ، وعائشةَ سببا في نجاح الهجرة، وكذا كان الحصى الذي معهن سببًا في نجاحها كذلك.

ولما أراد الرسول الخروج استثمر طاقاتِ عليِّ بنِ أبي طالب الذي كان شابًّا جسورًا، حيث نام في فراشه الشريف؛ لِيُمَوِّهَ عليهم أن الرسول نائم، وكذلك ليعيد ودائع الناس، وأماناتهم إليهم.

وكانت قريش قد أعَدَّتْ، وجهَّزتْ أربعين شابا جَلْدًا بسيوفهم؛ حتى إذا خرج الرسول للهجرة ضربوه ضربة رجل واحد، فتسيل دماؤه الطاهرة في قبائل مكة، ولا يمكنهم أخذ القصاص من كل تلك القبائل، فيضيع دمه الشريف هَدَرًا، فخرج الرسول الكريم بعد أن ألقى الله جنديًّا جديدا هو النوم عليهم، حيث كان شريكًا في نجاح الهجرة، فخيم على الأربعين شابًّا الواقفين أمام داره الشريف، فناموا جميعا، وأمسوا غاطِّين في نومهم، حتى إنه - صلى الله عليه وسلم - مر عليهم، وهم يَغُطُّون في نومهم، وأهال على رؤوسهم الرغام، وهو يقول، ويقرأ: (وَجَعَلنَا مِن بينِ أَيدِيهِم سَدًّا وَمِن خَلفِهِم سَدًّا فَأَغشَينَاهُم فَهُم لا يُبصِرون)، فقد تمثَّل التراب بشريحته في تدابير الله؛ حيث كان جنديًّا من جنوده، وجاء النوم عاملًا لنجاح الهجرة، وقاموا بعد مروره، ووصوله إلى غار حراء في أعالي مكة، فلم يجدوا إلا عليًّا أدى إليهم أماناتهم، فتعجبوا كيف اجتمعوا ليقتلوه، وهو قبل رحيله أنام ابنَ عمه عليًّا؛ ليعيد إليهم أماناتهم، ويظهر لهم أن للأمانات في الإسلام قيمتها الكبرى، وأنها لا تضيع في شرعة الإسلام، حتى لو كانوا قد كادوا لنبي الإسلام ليقتلوه، وهو يجتهد في رد أماناتهم إليهم.

وكان من تدابير الله لرسوله الكريم كذلك أن جعله يُعِدُّ ناقتين، أي: راحلتين، يكونان وسيلة السفر في رحلة الهجرة، ويستأجر أحدًا تكونان عنده يقوم على علفهما، والنظر في شؤونهما، إلى يوم الهجرة، فجاء بها في وقت الهجير وكل مكة نائم في قيلولتها، فجاء بالراحلتين فركباها، وانطلقا إلى الغار، أو جاء بهما بعد انتهاء بحث قريش، فركباها، وانطلقا؛ حيث مضــى بهما عبد الله بن أريقط إلى المدينة عبر طريق الساحل، مخالِفًا بذلك طريق البر الذي يسلكه الناس غالبا، فكان من تدابير الله أن يستعملَ شريحة النوق في الهجرة، وشريحة الوقت، واستغلاله؛ حيث إن جميع أهل مكة يعرفون أن الرسول ينام القيلولة يوميًّا، أما يوم الهجرة فخرج وهم مقيلون، ولا أحد في لهيب مكة، ولأوائها، خارج بيته، فخرجا من خوخة لأبي بكر، وهي باب خلف المنزل بعيدا عن أعين الناس، فكان الحجر، والوقت مستغلين لنجاح الهجرة بفضل تدابير الله العلي العظيم.

وجاءت شريحة الطيور (وهي اليمام الذي عَشَّشَ على فتحة الغار، وباض)، وشريحة الحشرات التي تمثَّلت في العنكبوت الذي نَسَجَ خيوطَه على باب الغار، فلما وصل أهل مكة إلى الغار، فوجدوا اليمام قد باض، وعشَّش، ورقد على بيضه، ورأوا قد نسج خيوطه، فقالوا: مستحيلٌ أن يكونا (أي: محمد وصاحبه) قد دخلا من هنا، ولم يطر اليمام، ولا تكسر بيضه، ولا انقطعت خيوط العنكبوت، وانهدم بيته، هكذا دبَّرَ الله لهم ما شغلهم في عقولهم، ومضوا، ولم يدخلوا.

د.جمال عبدالعزيز أحمد 

 كلية دار العلوم ـ جامعة القاهرة - جمهورية مصر العربية

[email protected]