أيها الأحباب: لقد كان أولاد أبي بكر أيضًا لأجل رسول الله في الهجرة، فشارك فيها أبو بكر الصدّيق ـ رضي الله عنه ـ وأهل بيته مشاركةً عظيمة، فجعلوا من أنفسهم وطاقاتهم جنودًا تفانت في خدمة رسول الله (صلى الله عليه وسلم)، فقد كان أبناؤه وبناته عونًا له في تلك الرحلة المصيرية، فهذا «عبد الله بن أبي بكر» حيث كان يتسم به من الذكاء والفطنة، فقد كان بمثابة عينٍ راصدة تنقل الأخبار بدقة، فكان يبيت في مكة بين قريش ليستمع إلى أخبارهم ومكائدهم، ثم يذهب في آخر الليل إلى الغار ليخبر النبي (صلى الله عليه وسلم) وأباه بما دار بينهم، وهذه «أسماء بنت أبي بكر» التي كانت تحمل الزاد من الطعام والشراب إلى النبي (صلى الله عليه وسلم) وأبيها في الغار، وقد شقّت نطاقها نصفين لتربط بهما الوعاء، ولهذا العمل عُرفت بذات النطاقين، فخلّد التاريخ اسمها بهذا اللقب الشريف، وهذا «عامر بن أبي فُهيرة» مولى أبي بكر الصديق ـ رضي الله عنه ـ الذي قام بعمل غير مسبوق، فقد كان يسوق الغنم إلى الغار ليستر آثار أقدام عبد الله وأسماء، وليوفّر اللبن للنبي (صلى الله عليه وسلم) وصاحبه، فكان دوره حمايةً وتمويهًا وإمدادًا في آنٍ واحد.
وبهذا التعاون الأسري من أبي بكر الصديق ـ رضي الله عنه ـ وذويه، تجلّت صورة نادرة من التضحية والوفاء في خدمة الله ورسوله؛ حيث سخّر أبو بكر ـ رضي الله عنه ـ عياله ومواليه لخدمة رسول الله (صلى الله عليه وسلم)، فجعلوا من الهجرة مشروعًا جماعيًّا تتضافر فيه الجهود، وتوحدت فيه الأهداف، وتفانت فيه الهمم، وظهرت فيه التضحيات بالروج والجسد معًا، ليبقى الدين محفوظًا بإذن الله تعالى، ولتمضي الرسالة الإسلامية في طريقها نحو النصر والتمكين.
ومن المواقف العظيمة التي سجّلها التاريخ في الهجرة النبوية، موقف أبي بكر الصدّيق ـ رضي الله عنه ـ وهو يحيط برسول الله (صلى الله عليه وسلم) وهما يمشيان في الطريق، فقد كان يدور حوله من كل جانب، خشية أن يطلبه أحد أو أن يترصده عدو، فكان إذا خشي من أمامه تقدّم أمام النبي (صلى الله عليه وسلم)، وإذا خاف من خلفه رجع وراءه، وإذا خاف من يمينه أو شماله مال إلى ذلك الجانب، حتى قال له رسول الله (صلى الله عليه وسلم): يا أبا بكر، ما لك تدور حولي؟ فقال: يا رسول الله، أذكر الطلب فأكون أمامك، وأذكر الرصد فأكون خلفك.. سبحان الله هذا المشهد يبرز عمق المحبة والوفاء من سيدنا أبي بكر، ويجسّد معنى الصحبة الحقيقية؛ إذ لم يكتف أبو بكر بالإنفاق والتهيئة، بل جعل نفسه درعًا واقيًا للنبي (صلى الله عليه وسلم)، مقدّمًا حياته فداءً له، ليبقى الرسول في مأمن حتى يبلغ دعوته.. حقًّا عجبًا!!، فلقد كان أبو بكر في تلك اللحظات صورةً ناصعة للتضحية والإيثار، يذوب في خدمة النبي (صلى الله عليه وسلم)، ويجعل من نفسه حارسًا أمينًا للرسالة، وأيضاً من المواقف المؤثرة التي تندهش لها العقول حادثة الغار عندما دخل سيدنا أبو بكر الصدّيق رضي الله عنه مع رسول الله (صلى الله عليه وسلم)، وجد فيه حفرًا وثقوبًا قد تكون مأوى للهوام والزواحف، فأخذ يسدّها بثوبه حتى لم يبقَ إلا حفرة واحدة، فوضع قدمه فيها حرصًا على سلامة النبي (صلى الله عليه وسلم)، فلدغه ثعبان، فكان الألم يصيبه من لدغه ووخز، لكنه لم يُخرج قدمه حتى لا يصل شيء إلى رسول الله (صلى الله عليه وسلم)، فلما رأى النبي (صلى الله عليه وسلم) ذلك رقّ له، فمسح على قدمه ودعا له، فبرئ بإذن الله، ولو تأملنا وضع أبي بكر قدمه في الحفرة لوجدنا أنه ـ رضي الله عنه ـ جعل نفسه وقايةً للنبي (صلى الله عليه وسلم)، مقدّمًا جسده فداءً له، ليبقى الرسول في مأمنٍ حتى تكتمل رحلة الهجرة، وهو مشهد يُخلّد معنى الصحبة الصادقة، حيث يذوب الصديق في خدمة صاحبه، ويجعل من نفسه جدارًا يحمي الرسالة، ولا عجب!!.. فقد كان أبو بكر الصدّيق ـ رضي الله عنه ـ مثالًا للتضحية والبذل في سبيل الله ورسوله (صلى الله عليه وسلم).. وللحديث بقية.
د.محمود عدلي الشريف