في الدَّارج العُماني، تُطْلق كلمة القيظ على فترة الصيف وجني حصاد النخيل، والمقيظ يُطْلق غالبًا على المكان الذي يقضي فيه الناس فترة القيظ، أي شدَّة حر الصيف، بالانتقال إلى منطقة ألطف جوًّا خلال الصيف. وتاريخيًّا ـ في عُمان ـ كانت بعض الأُسر تنتقل في موسم القيظ إلى المناطق الزراعيَّة، حيث يكون الجو أبرد نسبيًّا وتتوافر الثمار والمياه، فيقال: راحوا المقيظ؛ أي ذهبوا إلى مصيفهم أو المكان الذي يقضون فيه فترة الصيف والحصاد.
وفي الباطنة خصوصًا، فإن أغلب الأُسر التي تقطن على الخط الساحلي لبحر عُمان ينتقلون بمتاعهم ومواشيهم إلى الأماكن الزراعيَّة، وتسمَّى أيضًا «الحولة»؛ أي التحوُّل من مكان إلى آخر. ولهذه «الحولة» قصص جميلة عالقة في الوجدان العُماني عمومًا.
المقيظ يبدأ أولًا ببناء المقر السكني، وهو في الغالب متشابه لدى أغلب الأُسر في الباطنة؛ عبارة عن بيت يصنع من سعف النخيل التي صنعتها اليد العُمانيَّة بواسطة ما يسمَّى «الدُّعون». والدَّعن هو عبارة عن جريد النخيل المصفوف والمرصوص بشكل متناسق، فيما يقرب من (١٢٠) من جريد النخيل، ممهورًا بنمط حِرفي عُماني فريد، يتشارك فيه خمسة أشخاص في رصِّ وصفِّ وتنسيق ذلك الجريد ليسمَّى لاحقًا «دعنًا». وهناك مَن يشارك أيضًا في جلب جريد النخيل أو «الزور» ونقله من مكانه الذي يخلل فيه بالماء بعدما يرش بشكل يومي لمدَّة أيَّام معدودة؛ لكي يكون مطاوعًا لعمليَّة اللَّف والانحناء، ويكون سهلًا في صناعة «الدُّعون». وأحيانًا يتشكل منه أنواع وأشكال أخرى من الحرفيَّات المزخرفة أيضًا. لكن ما يهمنا هنا هو ذلك الجريد السعفي المرصوص الذي يسمَّى «الدَّعن»، الذي تحتاج منه ما يقرب من خمسة إلى ستة لعمل المنزل الجديد من ذلك الجريد. وهنا تبرز نقطة مهمة، وهي أن الجريد يتناسب مع فترة المقيظ وتلطيف الجو؛ فهو بناء مؤقت وسهل الاستخدام ومناسب للأجواء الحارَّة التي تميِّز فصل الصيف أو ما يسمَّى بالمقيظ. ويستكمل البيت التراثي المؤقت المسمَّى «العريش» ببناء الجزء الداخلي المغلق والمستور، الذي يحوي جميع متعلقات الأسرة، وله باب أيضًا من «زور» النخيل بعد إزالة بقايا السعف، بحيث تصبح أطراف النخيل مجردة، وينتهي بحبل صغير مصنوع من «ليف» النخيل ليغلق به القفل حفظًا لأمتعة الأسرة. وخارج «العريش» هناك بناء آخر مرتفع قليلًا عن الأرض، يسمَّى ـ في الدارج العُماني ـ «المنامة»، وهو عبارة عن ثلاثة إلى أربعة أعمدة خشبيَّة ممدودة بشكل طولي، ويوضع تحته ركائز في الأرض لتحمل تلك الأعمدة التي يوضع فوقها «الدَّعن» المصنوع من الجريد، ويصبح المكان يُشبه الصالة أو المجلس الخارجي، ومبنيًّا في مكان يستقطب الهواء وبشكل متعاكس مع أشعة الشمس. وأحيانًا يتصل بهذا المجلس، «المنامة»، للداخل منامة أخرى أصغر قليلًا، وفي أسفلها توضع بعض احتياجات المنزل الداخليَّة. وبين الداخل والخارج هناك فتحات معمولة بشكل ماهر للسماح بانسيابيَّة الهواء وتلطيف المكان بين الداخل والخارج. وهذا البناء ـ «البيت» ـ يُعَدُّ مبنى مصغرًا لفترة المقيظ، يمكن زيادة اتساعه بشكل أو بآخر.
القيظ في الباطنة له برنامج عمل كبير مرتبط بالخصوصيَّة العُمانيَّة، ويُقبل عليه الآباء والأبناء بكل رحابة صدر ودافعيَّة ومحبة بكل ما تعنيه الكلمة من معنى؛ فمنذ طلوع الفجر وصوت الأذان وأصوات المواشي والطيور التي تستفتح ببركة ذلك المشهد الصباحي الجميل تبدأ الأسرة باكرًا التحرك بشكل منتظم في تتبع النخيل لالتقاط كل ما تساقط من ثمرها، وغالبًا يشترك أبناء العائلة في هذا العمل الصباحي بمثابرة عجيبة لا يثنيهم حرارة الجو ولا يتذمرون، بل يشعرون بأهميَّة ما يلقط من ثمار النخيل المتساقطة، والتي تستخدم كعلف للماشية في المراحل المتقدمة من (القيظ). أمَّا عندما يصبح طلع النخيل تمرًا يوضع ذلك (اللقاط) في مسطحات تحت الشمس تُسمَّى (المسطاح) ويوضع فوق (الدُّعون) المعمولة بمهارة فائقة لتملأ أكثر من (دعن) بعضه من ذلك اللقاط اليومي. أمَّا الغالب فهو من تمور يتمُّ جنيها وقت حصاد النخيل أو (الجداد) الذي يُمثِّل كرنفالًا عائليًّا ممزوجًا بالأهازيج الشَّعبيَّة، وهي عمليَّة حصاد النخيل والتي تتطلب جهدًا جماعيًّا من العائلات خلال فترة القيظ، ويتمُّ الجداد في نهاية القيظ والتي تعتمد على طلوع «الجدَّاد» (بتشديد الدال الأولى) وهو العامل الذي يطلع النخيل لجني الحصاد واحدة تلو الأخرى، وينفض ثمارها مستخدمًا (المنفض) ويستخدم (الموراد) ليستقبله مَن يقوم بتجميع الحصاد أسفل النخلة ويفرغ في أوعية سعفيَّة صاغتها اليد الماهرة العُمانيَّة وتسمَّى (القفير والمبدع والمزماة) كل حسب أحجامها، حيث يقوم (الجدَّاد) بهزِّ (العذق) ليتساقط التَّمر (الهامد) ليملأ (المنفض) وهو وعاء معمول من جريد النخيل ثم يتمُّ إنزاله. ومن الجدير بالذِّكر أنَّ ما يصاحب ذلك الحصاد من أهازيج متداولة في الموروث العُماني مثل: «طاح موراده الجدَّاد.. يخدم على أولاده الجدَّاد» وغيرها من المقطوعات السيمفونيَّة الجميلة التي يرددها الجميع بشغف وحيويَّة، تزيد من نشاطهم في العمل. وهناك مَن يعمل على نقل التمور أو التمر الذي يتمُّ تجميعه إلى المسطاح. أمَّا المتبقي من (البسر) الذي لم يهمد بعد وبقي في (العذق) فيتمُّ تفريغه لاحقًا، ونقله إلى مكان منفصل، وكل نوع يوضع بمكان محدَّد في المسطاح. وللعِلم كل نخلة بها (غلَّة) ما بين (١٠) إلى (٢٠) عذقًا تقريبًا في أغلب أنواع النخيل، ثم يقوم الجدَّاد بإنزال (العذوق) بواسطة حبل متدلٍّ للأسفل، ويمسك به شخص آخر أسفل النخلة، وهذه غالبًا تستخدم لنخل المبسلي؛ نظرًا للحاجة (لتبسيله) وهي عمليَّة خاصَّة تقوم على وضع (بسر) نخلة المبسلي الذي لم يصبح رطبًا في قدر كبير وغليه قليلًا بالماء ليتحول إلى نوع طري بمذاق لذيذ. أمَّا بقيَّة النخيل فغالبًا يُرمى العذق من الأعلى ليسقط على الفراش الموضوع خصيصًا لذلك التمر المتساقط (الطائش). وللعِلم فإن أغلب نخيل الباطنة المستخدم للتمور والنوع الأكثر اعتمادًا هو نخلة (أُم السلَّه) التي من أكثر أنواع النخيل الذي يستفاد من ثمارها كتمور ليستخدم لاحقًا للطعام في بقيَّة فصول العام، وهذه التمور يعتمد عليها غالبيَّة العُمانيين في وجباتهم، وخصوصًا في الباطنة، وأُم السلَّه هي أكثر النخيل اعتمادًا في سهل الباطنة ما قبل الألفيَّة، وحتى هذا اليوم يكثر في المزارع التي لم تتأثر بالملوحة فيما تبقى من سهل الباطنة الخصيب، وهذه التمور المجففة في المسطاح منها ما هو من اللقاط أو التمر المجني بالتفريغ من المنفض، وعادة يبقى تحت أشعة الشمس لأيَّام محددة، ثم يمرُّ على مرحلة التنقية لاحقًا قبل وضعه في الجراب، ولهذه العمليَّة أيضًا جدولة موقوتة بالأيَّام، وهناك طُرق متنوعة منه الذي يداس بالأقدام، ومنه ما يُسمَّى النثر والمقطوع، وكل نوع يحدّد بعلامة على الجراب لمختلف أغراض استخداماته.
هناك مهمَّة جميلة لا تقلُّ أهميَّة عن الجداد، وهي خراف الرطب طيلة فترة القيظ في الباطنة، وهي أهم ما يميِّز المقيظ. كما أنَّ هناك نخيلًا باطنيَّة معروفة مثل الصلاني والبوشري والميناز والسوادنيا والنغال والشهلي، وبعضها تسمَّى «قشوش» متنوعة. وهذه الفاكهة الصيفيَّة، «الرطب»، تُشبه الجواهر لدى ذلك الجيل من أبناء عُمان، ويضاف إليها بعض المنتجات الأخرى مثل المانجا متنوعة الأشكال التي تُعَدُّ فاكهة القيظ الرئيسة في الباطنة. علمًا أن هناك منتجات أخرى مثل الجوافة والليمون والبيذام والزَّام والهمبو والسدر وغيرها من المنتجات الأخرى كالخضار المتنوعة، وكذلك منتجات العلف وأشهرها القت، الذي يتطلب هندسة زراعيَّة فريدة في زراعته منذ بداية عمل أماكن الزرع. وهنا تحضرني بعض المفردات التي تخص زراعة القَت مثل الجلبة والسابة والوعب والصوار والسواقي واليتاق وغيره. وتُعَدُّ عمليَّة التبذير ومقاديرها من الحسابات الدقيقة، بل يحتاج القت إلى حرفنة أيضًا في السَّقي وفي «الجز» أيضًا بدءًا من أول قصَّة وهكذا قدمًا. كما توجد أنواع مختلفة من الشجيرات ذات الروائح الزكيَّة مثل الريحان والكيذا وغيرها، وهناك شجيرات تنمو وحدها قد لا يتسع السياق لحصرها، إضافة إلى الغاف الذي يستخدم في عمليَّة «الجسال» لتقديمه للماشية. وهناك عمليَّة طهي بعض وجبات العلف تسمَّى «الغبار» لتقديمها كوجبة مهمة للماشية، ولا يفوتنا الإشارة إلى عمليَّة سقي الأشجار، فهي وحدها تُمثِّل قصَّة جميلة في مزارع الباطنة، وهذا السقي يستمر في فترة القيظ وما بعدها في بقيَّة فصول العام. هكذا تكون فترة القيظ في الباطنة وفي جميع مناطق سلطنة عُمان كأجمل الفترات، وتحمل أجمل الذكريات؛ حيث يتعايش أبناء الأُسر والعائلات في الباطنة مع ذلك المشهد الزراعي الجميل. ذكريات جميلة لا تغيب عن الذاكرة، ما زالت حاضرة بقوَّة في ذاكرة أجيال مرَّت عليها، ولكن ـ للأسف الشديد ـ اليوم غابت تلك المشاهد عن أغلب الأجيال الحديثة بعد الألفيَّة وعن أغلب سكان الباطنة، وغياب هذه الذاكرة الجميلة يُمثِّل فقدان أثر جميل محفور في حياة الناس وذاكرة الأيَّام. ختامًا، نسأل الله أن تعود تلك الأيَّام وتلك المزارع الغنَّاء في الباطنة بخصوبة الأرض وتوافر المياه في سهل الباطنة الخصيب، وأن تعود تلك المزارع الغنَّاء والأماكن الزراعيَّة الخضراء في الباطنة وجميع محافظات وولايات وأرياف هذا الوطن العزيز.
خميس بن عبيد القطيطي