الأربعاء 24 يونيو 2026 م - 9 محرم 1448 هـ
أخبار عاجلة

أهمية المؤسسة

أهمية المؤسسة
الأربعاء - 24 يونيو 2026 10:21 ص

د.أحمد مصطفى أحمد

20

يشهد العالم منذ نهاية القرن الماضي توجُّهًا متصاعدًا ضد «المؤسَّساتيَّة» بشكل عام، والمؤسَّسة في الحكم وإدارة شؤون الدول والتكتلات، بل والعالم، بشكل خاص. عالميًّا، بدا ذلك واضحًا في تراجع دور الأمم المتحدة والمنظَّمات الدوليَّة الأخرى التي تنظِّم الكثير من العلاقات الدوليَّة. ولعلَّ المثال الأوضح هو أزمة وباء كورونا قبل ست سنوات، حين واجهت منظَّمة الصحَّة العالميَّة حملة مغرضة تنال من دورها في مكافحة الأوبئة على مستوى العالم، بل وانسحبت دول كبرى من المنظَّمة في ظل شيوع نظريَّات المؤامرة بشأن الوباء. تلقى تلك الموجة من «معاداة المؤسَّسة» تأييدًا لدى قطاعات متزايدة من الشعوب، ولأسباب مختلفة ليس هنا مجال تفصيلها. إنما القصد هو توضيح خطورة النَّيل من المؤسَّسات وضرر ذلك البالغ على المدى الطويل، مع الإشارة إلى أننا نتحدث عن «المؤسَّسة» بمعناها الأوسع والأشمل، وليس بالتخصيص مؤسَّسات الحكم أو الإدارة، إنما فكرة المؤسَّساتيَّة بشكل عام وتطبيقاتها في حياة البشر.

تسمَّى الحكومة البريطانيَّة رسميًّا «حكومة جلالة الملك»، كذلك المعارضة السياسيَّة تسمَّى «معارضة جلالة الملك». ورغم أن الملكيَّة في بريطانيا ليس لها أيُّ دور في السياسة والحكم، وبالتالي فإن التسمية الرسميَّة هي «رمزيَّة» إلى حد كبير، إلَّا أن دلالتها في غاية الأهميَّة. فالحكومة وحزبها والمعارضة وأحزابها كلهم ينتمون إلى «الدولة»؛ أي مؤسَّسة إدارة البلاد. فالملك هو رأس الدولة، حتى لو كانت مهمَّة إدارتها هي لحكومة منتخبة من الشَّعب، تقابلها أحزاب منتخبة أيضًا تُمثِّل المعارضة، وتتشكل بقيَّة مؤسَّساتها من الوزارات والإدارات والهيئات؛ أي البيروقراطيَّة الإداريَّة والأمنيَّة. يضاف إلى ذلك دائرة أوسع تتمثل في مراكز البحث والرأي وقيادات المال والأعمال، وكل ذلك جزء من المؤسَّسة. فالمنطقي، إذًا، أن الكل ينتمي إلى الدولة/المؤسَّسة، وبالتالي يحرص على بقائها وتطورها وتنميتها، وليس النَّيل منها أو هدمها. ليس فقط بدافع الوطنيَّة والشعور القومي، وإنما حتى بضرورات المصلحة؛ فللجميع مصلحة في سلامة الدولة واستقرارها لأنه جزء منها.

بدأ التآكل في «المؤسَّسة» منذ نهاية الحرب الباردة نتيجة تغيُّرات كثيرة في عقد الثمانينيَّات من القرن الماضي. ورغم أن ما نلحظه بوضوح هو التدهور على الصعيد السياسي، خصوصًا في دول ما تسمَّى «الديمقراطيَّات الغربيَّة»، إلَّا أن التراجع لم يقتصر على الأحزاب والقوى السياسيَّة التي تتنافس على الحكم، وإنما شمل جوانب أهم من أركان «المؤسَّسة». فالإطار الأوسع من نخب الرأي والأعمال يتدهور بشكل مطَّرد منذ عقود، وكذلك بيروقراطيَّة الدولة بكل أجهزتها وإداراتها. وذلك ما جعل تأثير القوى المتطرفة الصاعدة التي تستهدف المؤسَّسة أكبر، ليس فقط لأن تلك القوى تحظى بدعم شَعبي واسع، وإنما لأن أركان المؤسَّسة ذاتها يعتريها الضعف والاهتراء. من نافلة القول إن تلك القوى المناوئة للمؤسَّسة إنما تستخدم أدوات الدولة للوصول إلى السُّلطة، لكن هدفها النهائي، سواء عن وعي أم لا، هو النَّيل من المؤسَّسة/الدولة. هنا نعود للمثال الرمزي للحكومة والمعارضة في بريطانيا، وكيف أن الجميع جزء من الدولة والمؤسَّسة. فطبيعي أن مَن في السُّلطة يواجه معارضة وانتقادًا أحيانًا، لكن مَن يعارضون وينتقدون لا يستهدفون سوى تحسين وضع الدولة وتطوير المؤسَّسة، التي ينتمي إليها الجميع.

الجميع إذًا جزء من الدولة، ويدورون في فلك المؤسَّسة، وبالتالي فإن مَن يحكم ومَن يعارض لا هدف لهم سوى تقدُّم الدولة وتطورها. إنما يأتي الخطر ممَّن يظنون أنفسهم يحسنون صنعًا باستهداف المؤسَّسة إضعافًا وتدميرًا، وهم يتلقون عونًا من الخارج. هؤلاء يجعلون من أنفسهم خارج إطار الحراك الوطني للتطور والتقدم وتحسين الأوضاع. وسواء كانوا على دراية بهدف مَن يدعمهم من خارج الوطن أم لا، فهم في النهاية «يفصلون» أنفسهم عن البلد كله، حتى لو رفعوا شعارات مغالية في الوطنيَّة والقوميَّة وغيرها. بل على العكس، فإن مَن يغالي في شيء غالبًا ما يكون يفعل عكسه. يأخذ الدعم الخارجي، وإن كان في أغلبه ماليًّا، أشكالًا أخرى خصوصًا في أيَّامنا هذه. طبعًا، تظلُّ المساعدات والتبرعات من خارج الوطن لأشخاص وقوى وتيَّارات بِعَيْنها إشارة أوليَّة على خروج هؤلاء عن «المؤسَّسة/الدولة»، مهما كانت أوضاعهم القانونيَّة والحقوقيَّة. هناك الآن الدعم غير المباشر، سواء عبر مراكز أبحاث ودراسات وهميَّة أو منافذ إعلاميَّة مموَّلة من الخارج. ذلك بالإضافة إلى حملات الترويج على مواقع التواصل، والتي تتضمن في الأغلب تضليلًا ودسًا معلوماتيًّا ونظريَّات مؤامرة.

قد يكون لدى البعض موقف من المؤسَّسة، أو حتى الدولة، لكن ذلك يظل في إطار أنهم جزء منها، وخلافاتهم حول طُرق تحسين الوضع، وليس النَّيل من الدولة ومؤسَّساتها. فحتى بالتفكير النفعي المباشر، لو كنت تسعى للوصول إلى مكان في السُّلطة، فكيف يفيدك أن تدمّر تلك الأدوات والوسائل التي ستمكِّنك من تنفيذ ذلك وضمان عملك في إدارة ذلك المكان الذي تسعى إليه؟ هؤلاء الذين يخرجون عن الدولة والمؤسَّسة، وخصوصًا مَن يرتبطون بقوى خارجيَّة في استهدافهم ضرب المؤسَّسة، إنما يشبهون ذلك الذي يقطع أطرافه متوهمًا أن ذلك سيجعله خفيفًا قادرًا على المناورة. إنما سيفيق هؤلاء، ربما بعد فوات الأوان، على أنهم أضروا بأنفسهم قبل أن يضروا بالدولة والمؤسَّسة.

د.أحمد مصطفى أحمد

كاتب صحفي مصري

[email protected]