أُتيحت لي في الآونة الأخيرة فرصة زيارة العديد من الولايات والمحافظات العُمانيَّة بحكم طبيعة عملي وتنقلاتي الميدانيَّة، وهي زيارات بدأت لأغراض مهنيَّة وانتهت بتأملات إنسانيَّة أعمق بكثير ممَّا كنتُ أتوقع. ففي كل ولاية وصلت إليها، وفي كل طريق سلكته، وفي كل مجلس جلست فيه، كنت أجد ملامح مختلفة للمكان، وأسمع لهجات تتباين في بعض مفرداتها ونبراتها، وأشاهد تفاصيل اجتماعيَّة وثقافيَّة تمنح كل منطقة خصوصيَّتها وجَمالها؛ غير أن شيئًا واحدًا ظل حاضرًا بصورة لافتة أينما اتجهت، وهو ذلك الجوهر الإنساني الذي يميِّز الشخصيَّة العُمانيَّة بأدبها الجم، وهدوئها المحبب، واحترامها للآخر، واعتزازها بنفسها، وسعيها إلى احترام خصوصيَّة الآخر ليحترم هو خصوصيَّتها، بالإضافة إلى كرمها الذي يُمارس بعفويَّة بعيدة عن التكلف. ومع تكرار المشاهد وتعدُّد اللقاءات، بدأتُ أتساءل عن سر هذا الثبات الذي يجعل الإنسان العُماني محتفظًا بملامحه الأخلاقيَّة الأصيلة رغم اتساع الجغرافيا وتنوع البيئات، ثم وجدتُ نفسي أربط بين ما أراه في الناس وما أعرفه عن السياسة الخارجيَّة العُمانيَّة الراسخة والثابتة عبر العقود، وكأنَّ هناك خيطًا غير مرئي يصل بين سلوك الفرد العُماني وطريقة حضور عُمان في محيطها الإقليمي والدولي. وبدأت تتشكل لديَّ قناعة بأن كثيرًا من السِّمات التي نراها اليوم في الدبلوماسيَّة العُمانيَّة ربما تعود جذورها إلى تاريخ طويل صنعه رجال البحر والتجارة والأسفار؛ أولئك الذين جابوا المحيطات وحملوا معهم أخلاقهم قبل بضائعهم، فتعلموا الحوار والتفاهم واحترام الاختلاف، وعادوا بهذه القِيَم لتصبح جزءًا أصيلًا من شخصيَّة وطن كامل.
ولعلَّ ما عزَّز تلك القناعة لديَّ أن عُمان طوال تاريخها لم تكُن دولة منغلقة على ذاتها، لكنها كانت أُمَّة بحريَّة بامتياز، ارتبطت بالبحر كما ارتبطت الصحراء بغيرها من الأمم؛ فالسفن العُمانيَّة كانت تحمل معها، إلى جانب البضائع، قِيَمًا وثقافةً وأسلوبًا خاصًّا في التعامل مع الشعوب المختلفة. فمن سواحل شرق إفريقيا إلى موانئ الهند وجزر جنوب شرق آسيا، وجد البحارة العُمانيون أنفسهم أمام لُغات وأديان وأعراق وثقافات متعددة، الأمر الذي صقل شخصيَّتهم ومنحهم قدرة فريدة على التعايش والتفاهم وبناء العلاقات القائمة على الاحترام المتبادل. ولم يكُن النجاح في تلك الرحلات الطويلة قائمًا على القوَّة وحدها، بل على الحكمة وحُسن التعامل والوفاء بالعهود والقدرة على كسب ثقة الآخرين؛ وهي صفات كانت حاضرة بقوَّة، وتبدو حاضرة حتى اليوم في تفاصيل الشخصيَّة العُمانيَّة المعاصرة، وكأنَّ التاريخ لم يغادر وجدان الإنسان العُماني، وظل حيًّا يتوارثه جيل بعد جيل في السلوك قبل الكلمات.
إنَّ المتأمل في السياسة الخارجيَّة العُمانيَّة عبر العقود الماضيَّة يصعب عليه تجاهل ذلك التشابه الكبير بينها وبين ملامح الشخصيَّة العُمانيَّة التي عرفتها خلال رحلاتي وتنقلاتي؛ فكما يميل العُماني إلى الهدوء والاتزان واحترام الآخر دون تفريط في ثوابته، جاءت السياسة الخارجيَّة العُمانيَّة قائمة على المبادئ ذاتها، محافظةً على استقلال قرارها، ومنفتحةً على الجميع، وقادرةً على بناء جسور التواصل مع مختلف الأطراف. وأعتقد أن هذا السَّمت العُماني الأصيل كان حاضرًا في ذهن المغفور له بإذن الله تعالى السُّلطان قابوس بن سعيد ـ طيَّب الله ثراه ـ وهو يضع اللبنات الأولى والأُسس الراسخة للسياسة الخارجيَّة العُمانيَّة في بواكير عصر النهضة المباركة، مستلهمًا من طبيعة الإنسان العُماني ما جعله نهجًا سياسيًّا ودبلوماسيًّا حظي باحترام العالم وثقته. ولن أبالغ إذا قلت إن هذه السِّمات ذاتها تبدو حاضرة أيضًا في رؤية حضرة صاحب الجلالة السُّلطان هيثم بن طارق المُعظَّم ـ حفظه الله ورعاه ـ وهو يقود النهضة المتجددة بثقة واقتدار، ويواصل ترسيخ المكانة التي بنتها عُمان عبر عقود طويلة، ويحقق في سنوات قليلة إنجازات لافتة رغم ما يحيط بالعالم من تحدِّيات وتحوُّلات متسارعة. ولهذا أجد أن ما يُعرف اليوم بالنهج العُماني في إدارة العلاقات الدوليَّة تخطى كونه خيارًا سياسيًا ناجحًا، وأضحى انعكاسًا طبيعيًّا لشخصيَّة وطنيَّة تشكلت عبر التاريخ، وحافظت على توازنها رغم تغيُّر الظروف وتبدُّل التحدِّيات.
ولعلَّ أجمل ما خرجتُ به من تلك الرحلات أنني لم أتعرف على ولايات جديدة بقدر ما تعرفتُ على قِيمة الإنسان العُماني نفسه؛ ذلك الإنسان الذي نجح عبر الزمن في أن يجعل من الأخلاق أسلوب حياة، ومن الاحترام لغة مشتركة، ومن التوازن منهجًا في التعامل مع الآخرين. وأعتقد أن جانبًا مهمًّا من النجاحات التي تحققها عُمان اليوم في مسارات التنمية الاقتصاديَّة وجذب الاستثمارات وبناء الشراكات الإقليميَّة والدوليَّة يرتبط بصورة مباشرة بهذا السَّمت العُماني الأصيل؛ فالمستثمر يبحث عن الاستقرار والثقة قبل بحثه عن الفرص، والشراكات الكبرى تُبنى على المصداقيَّة قبل أن تُبنى على العقود، والعلاقات المستدامة بين الدول والشعوب تنطلق من الاحترام المتبادل قبل أيِّ اعتبارات أخرى. ولهذا أرى أن الشخصيَّة العُمانيَّة أصبحت أحد الأصول الوطنيَّة غير الماديَّة التي دعمت مَسيرة النهضة، وأسهمت في ترسيخ مكانة عُمان على المستويات السياسيَّة والاقتصاديَّة والإنسانيَّة. وكلما تنقلت بين مُدن السلطنة وقراها ازددتُ يقينًا بأن هذا الإنسان الهادئ الواثق المتزن يُمثِّل في حدِّ ذاته جزءًا من قصَّة النجاح العُمانيَّة، وجزءًا من القوة الناعمة التي صنعت لعُمان مكانتها واحترامها في الداخل والخارج.
إبراهيم بدوي