أترقب حضورها كل يوم، وأشاهدها وهي تجر خطواتها الثقيلة في بداية كل صباح لتقول جملتها القريبة إلى قلبي:
صباح الخير أستاذة. دائمًا تقع عينيّ على عرج رجلها اليمنى الواضح، كما ألمح حبات العرق التي تكسو وجهها في كل المواسم صيفًا وشتاءً، أشيعها ببصري حتى تتوارى في المخزن القابع على يمين الممر لتحمل عدة التنظيف، ومن ثم تصعد إلى الدور العلوي، وتختفي حينها حتى يلفظ الدوام أنفاسه الأخيرة لعجزها عن نزول الدرجات مرارًا وتكرارًا خلال فترة الدوام إلا للضرورة القصوى.
دائمًا ترتسم على وجهها علامات عميقة الأثر تعكس أيام الشدة والتعب التي مرت بها كعاصفة هوجاء دمرت الكثير في داخلها، وانتزعت منها أشياء كثير لا يمكن أن تعود مرة أخرى.أحاول تخيل ملامح خالتي (زوينة) في طفولتها، أترك لمخيلتي الحرية المطلقة في اختيار شكلها ولون شعرها، والملابس التي ترتديها، غير أن تلك الصور غالبًا ما تختفي وتتلاشى حين تمر بجانبي فأعجز عن تمييز لون عينيها، وأفشل في تخيلها وهي ترتدي ملابس زاهية حين يصطدم بصري بملابسها الغامقة التي تتراوح ألوانها غالبًا بين اللونين الأسود والأزرق الداكن لاسيما بعد أن ترملت وفقدت زوجها منذ سنة تقريبًا.
غالبًا ما تقوم خالتي (زوينة) بالعمل دون أن تتذمر، الحاجة التي تدفعها للعمل تجعلها تكد وتكدح بكل طاقتها؛ لتنال رضى الجميع في المدرسة، فتجدها تنتقل من مكان لآخر لتعمل وترتب وتحمل هذا الغرض أو ترجعه لمكانه.
قالت لي وهي ترتب الكراسي في قاعة المدرسة: بينما أعمل ينام جميع أولادي!، خمس سنوات ولم يعثر أي واحد منهم على عمل! حينها لم أعثر على أي كلمة تتناسب مع حجم الوجع الجاثم على صدرها، شعرتُ بتنهيدة أشد حرارة من الأجواء المحيطة بنا خرجت من أعماق صدرها، كما أنها حبست دمعة بحجم العالم أوشكت على السقوط. استيقظ الحزن في تلك اللحظات ليغلف عالمنا، وأصبح الصمت هو سيد الموقف بيننا، استأذنتُ، بينما واصلت ترتيب الكراسي بيديها المليئتين بالشقوق، بينما كان قلبها يبكي دون توقف.
بالأمس رأيتها تحمل كيسًا أبيض، أخرجت منه مجموعة من الأدوية المتباينة، أفاضت في شرح استخدام كل نوع من الأدوية، وتحدثت عن الأمراض المزمنة التي ألمت بها في فترات مختلفة، تفاعلتُ معها ومع كلماتها التي أصبحت تفيض من قلبها كنهر جار وجد طريقه دون عوائق.
أحب حديثها العذب الذي يخرج من القلب ليدخل إلى قلبي مباشرة، تنساب كلماتها كمعزوفة موسيقية تدخل الآذان بلا استئذان، تحرك يديها لتضفي على كلماتها حياة وجمال. أعشق الجلوس على الحصير الذي تفرشه في الغرفة، تمد رجليها، وتتحدث عن حياة طويلة مثخنة بالجراح والأمل والحسرة.
تبدو حياتها خليطًا من عدة أشياء غير متجانسة، وتتصارع في أعماقها الكثير من الظروف والأحوال، وتظل خالتي زوينة راسخة كالجبال الراسية، تبحث عن منافذ للنور في كل مكان تحط فيه رحالها. ترطب حلقها بالماء البارد الذي يحتوي على قطع من الثلج بشكل يومي حتى في الأجواء الباردة، تشعر بأنه يعيد لها طاقتها التي تنساب بينما تعمل وتتحرك، بينما تمضغ طعامها بكل هدوء.
تنقلني بحديثها إلى عدة أزمنة تذكر طفولتها القاسية المشبعة بالحرمان والتعب، بالعمل في المزارع، وتحت الشمس والحرارة، ومن ثم تنتقل إلى حاضرها الموجع، وتختم حديثها بكلمة: الحمد لله على كل حال.
في حديث سابق لها حدثتني عن مرض زوجها، عن تعبه وألمه، وعن الأيام الطويلة التي كان يقضيها في المستشفى بين الأجهزة والأطباء.لاحظتُ في هذا اليوم حين مدت رجليها الانتفاخ الكبير الذي بدأ يعتريهما، وشدني التعب الكبير الذي ارتسم على محياها، العرق الذي مسحته بشكل متكرر على الرغم من برودة الغرفة، سألتها عن أحوالها، كانت ترد بإجابات مقتضبة، تتعثر كلماتها عند خروجها، يبدو أن التعب استطاع أخيرًا أن يحبسها في قوقعة ضيقة وسحب عنها الهواء والحياة.
مدت رجليها للمرة الثانية بصعوبة، وتنهدت أكثر من مرة وهي تنظر إلى فتحة الباب الموارب، تبحث عن أشياء كثيرة أضاعتها في مسيرها المتعثر، حاولتُ جرها للحديث وللكلام، فتحتُ عدة قنوات للثرثرة، استمرت في الصمت، وقالت بصوت واهن: أستاذة، خالتك زوينة تعبت خلاص من كل شيء. وانسابت دمعة بحجم كل الخيبات والأوجاع.
د. أمل المغيزوية
كاتبة عمانية