الأربعاء 24 يونيو 2026 م - 9 محرم 1448 هـ
أخبار عاجلة

الصكوك السيادية والتنمية الاقتصادية

الصكوك السيادية والتنمية الاقتصادية
الاثنين - 22 يونيو 2026 10:06 ص

جودة مرسي

20


تختلف أساليب التدابير الماليَّة من دولة إلى أخرى من أجلِ تعزيز التنمية الاقتصاديَّة. وبصرف النظر عن مدى اختلاف وتعدُّد الكيفيَّة التي تُصاغ بها السياسات الاقتصاديَّة، فإن الاعتماد على الإمكانات المحليَّة أفضل كثيرًا من الاستدانة الخارجيَّة، بل إن من مميزاتها إعطاء المؤشرات الإيجابيَّة على الوفرة الماليَّة لتدبير احتياجات المشاريع المستقبليَّة. وهذا يساعد على ما يسمَّى «ضمان الاستقرار المالي»، وهو مسؤوليَّة مشتركة بين كل القطاعات التي تنتج إدارة حصيفة للاقتصاد الكلِّي على المستويين المحلِّي والدولي. والخميس الماضي أعلنت الشركة العُمانيَّة للصكوك السياديَّة عن طرح إصدار جديد بقيمة (100) مليون ريال عُماني، مع إمكانيَّة رفعه إلى (120) مليون ريال، أي ما يوازي (260) إلى (313) مليون دولار تقريبًا، لمدة (5) سنوات وبعائد سنوي (4.2%).

والإصدار في حد ذاته له العديد من الدلالات الاقتصاديَّة المهمَّة لاقتصاد البلاد، وتكمن هذه الأبعاد بشكل رئيس في تنويع مصادر التمويل الحكومي، ممَّا يتيح للحكومة تمويل المشاريع والإنفاق العام من السوق المحليَّة بدلًا من الاعتماد الكامل على الإيرادات النفطيَّة أو الاقتراض الخارجي. وهذا ما ينسجم مع سياسة تنويع الاقتصاد وتقليل الاعتماد على النفط، بالإضافة إلى تعزيز سوق المال العُماني. ومن أهم المزايا التي تتمتع بها الصكوك السياديَّة توفير أداة استثماريَّة منخفضة المخاطر للمصارف وصناديق التقاعد والمستثمرين الأفراد والمؤسَّسات، بالإضافة إلى أنها تزيد من عمق السوق الماليَّة وتوفِّر معيارًا لتسعير الإصدارات المستقبليَّة واستقطاب السيولة المحليَّة. وبدلًا من بقاء الأموال في الحسابات الجارية، يتمُّ توجيه جزء منها إلى أدوات استثماريَّة حكوميَّة طويلة الأجل. وهذا يساعد على تعبئة المدخرات الوطنيَّة لخدمة التنمية الاقتصاديَّة، وتكون المحصِّلة العمليَّة زيادة المؤشرات الدالة على الثقة بالاقتصاد العُماني، وهذه الثقة ميزة ذهبيَّة يسعى جاهدًا الكثير من الدول في سبيل العثور عليها.

ما يعني أن استمرار الإصدارات السياديَّة ونجاحها في السنوات الماضية يعكس ثقة المستثمرين في قدرة الحكومة على الوفاء بالتزاماتها الماليَّة. كما أن العائد الذي يبلغ (4.2%) يُعَدُّ ضمن المستويات التي تجذب المستثمرين مع المحافظة على تكلفة تمويل معقولة للحكومة. وتُعَدُّ الصكوك من أهم الأدوات المتوافقة مع الشريعة الإسلاميَّة، وبالتالي تسهم في تطوير قطاع التمويل الإسلامي في سلطنة عُمان.

ما الذي يعنيه ذلك للمواطن العُماني؟

بصورة إيجابيَّة عالية الوضوح، فإن إصدار الصكوك يُسهم في توفير فرصة استثماريَّة ذات مخاطر منخفضة نسبيًّا وعائد ثابت، بالإضافة إلى دعم تمويل المشاريع الحكوميَّة والبنية الأساسيَّة دون زيادة كبيرة في الاقتراض الخارجي، مع المساهمة في تعزيز الاستقرار المالي والاقتصادي على المدى المتوسط. وعلى سبيل المثال، عندما تقترض الدولة من الخارج غالبًا يكون الدَّيْن بالدولار أو اليورو، ما يعرِّضها لمخاطر تقلُّب أسعار الصرف. أما الصكوك المحليَّة فتكون بالريال العُماني، ممَّا يقلِّل هذه المخاطر، مع الاحتفاظ بالأموال داخل الاقتصاد الوطني. كما أن عوائد الصكوك تذهب إلى مستثمرين ومؤسَّسات محليَّة، فتظل الأموال تدور داخل الاقتصاد الوطني بدلًا من انتقالها إلى جهات أجنبيَّة، وبدوره يساعد ذلك في تعزيز السوق الماليَّة المحليَّة. وبصورة عامَّة، يُنظر إلى هذا الطرح على أنه إشارة إيجابيَّة لاستمرار إدارة الدَّين العام بشكل منظّم، وتعزيز قدرة السوق الماليَّة العُمانيَّة على تمويل التنمية الاقتصاديَّة.

جودة مرسي

[email protected]

من أسرة تحرير «الوطن»