الاثنين 22 يونيو 2026 م - 7 محرم 1448 هـ
أخبار عاجلة

رحاب : أدب التحفيز.. حين يكون التقدير صناعة للإنجاز

رحاب : أدب التحفيز.. حين يكون التقدير صناعة للإنجاز
الاثنين - 22 يونيو 2026 10:39 ص

د ـ أحمد بن علي المعشني

20

في إطار العمل على مبادرة «هذا إنجازي» وتنظيم ماراثون المشي الهادف إلى تعزيز الصحة النفسية والجسدية ونشر ثقافة المشي الجماعي بين مختلف فئات المجتمع، تواصلت مع عدد من الموظفين العاملين في أقسام المسؤولية المجتمعية في بعض المؤسسات والشركات، راجيًا دعم هذه المبادرة الوطنية التي تسعى إلى بناء مجتمع أكثر صحةً وإيجابيةً وإنجازًا.

ومن بين الذين تواصلت معهم شاب يعمل في إحدى الشركات، وقد لفت انتباهي سرعة تجاوبه ولطف رده وحسن تعاونه. فلم يكتفِ بالرد على الرسالة، بل أرشدني إلى الأشخاص المختصين داخل المؤسسة، وأبدى استعداده لإيصال الفكرة إليهم ومتابعتها. كان ردًّا مهنيًّا وإنسانيًّا راقيًا يعكس وعيًا بأهمية خدمة الآخرين والتعاون معهم.

شكرته على موقفه النبيل، وطلبت منه أن يرسل لي اسمه الكامل وصورة شخصية؛ لأنني رغبت في منحه شهادة عضوية تقديرية في مبادرة «هذا إنجازي» تقديرًا لإيجابيته وتعاونه. لكن المفاجأة أنه اعتذر بأدب، وقال إنه لا يستحق هذه الشهادة، وإنه لم يقم بإنجاز يستحق التكريم، ثم أضاف أن قبوله لمثل هذه الشهادة قد يُفهم على أنه نوع من المجاملة أو التزلف أو حتى الرشوة المعنوية.

عندها أدركت أننا ما زلنا بحاجة إلى نشر ثقافة مهمة يمكن أن أسميها «أدب التحفيز».

فأدب التحفيز لا يقوم على التملق، ولا على النفاق، ولا على المجاملة الفارغة، بل يقوم على ملاحظة السلوك الإيجابي وتقديره وتعزيزه وإبرازه للناس. إنه فن البحث عن نقاط القوة في الإنسان بدلًا من التركيز المستمر على أخطائه ونقائصه. وهو منهج تربوي وإداري وإنساني أثبت نجاحه في المجتمعات المتقدمة التي جعلت من ثقافة التقدير جزءًا أصيلًا من بيئات العمل والحياة العامة.

إن كلمة شكر صادقة، أو شهادة تقدير رمزية، أو رسالة امتنان، أو إشادة بسلوك إيجابي؛ كلها وسائل لتحفيز السلوك الحسن وتشجيع الآخرين على تكراره. فالناس بطبيعتهم يستجيبون للتقدير، ويشعرون بالرضا عندما يلاحظ الآخرون جهودهم ويثنون عليها.

ولذلك فإن منح شهادة تقديرية لشخص متعاون أو موظف متفاعل أو متطوع مبادر لا يعني أننا نجامله أو نتقرب إليه لمصلحة، وإنما يعني أننا نرسل رسالة للمجتمع مفادها أن هذه السلوكيات تستحق الاحترام والتقدير، وأن أصحابها نماذج إيجابية جديرة بالاقتداء.

ولعلَّ من أجمل ما يمكن أن تفعله المبادرات المجتمعية أنها تلتقط هذه النماذج الصغيرة التي قد تمر دون انتباه، ثم تسلط الضوء عليها. فالمجتمعات لا تُبنى فقط بالمشروعات الكبرى والإنجازات الضخمة، وإنما تُبنى أيضًا بالأخلاق الجميلة، والكلمة الطيبة، وروح التعاون، والاستجابة الإيجابية، وحسن التعامل مع الناس.

إن أدب التحفيز يدعونا إلى أن نبحث عن الجوانب المضيئة في الآخرين، وأن نحتفي بها، وأن نمنحها ما تستحق من تقدير. فكل كلمة تشجيع صادقة قد تزرع دافعًا جديدًا في نفس إنسان، وكل موقف تقدير قد يصنع سلوكًا إيجابيًّا يتكرر عشرات المرات، وكل إشادة مستحقة قد تتحول إلى ثقافة عامة ترفع مستوى الأداء والعطاء في المجتمع.

ومن هنا فإن تقدير الإيجابيين ليس مجاملة، بل استثمار في الإنسان. وليس تملقًا، بل صناعة للقدوة. وليس نفاقًا، بل أحد أرقى أشكال التحفيز التي تسهم في بناء مجتمع الإنجاز.

د. أحمد بن علي المعشني 

رئيس أكاديمية النجاح للتنمية البشرية

رئيس مبادرة هذا إنجازي