الأربعاء 24 يونيو 2026 م - 9 محرم 1448 هـ
أخبار عاجلة

النحات والتشكيلي علي الجابري: النحت حوار يجمع ذاكرة الفنان بـ «زمن المادة»

النحات والتشكيلي علي الجابري: النحت حوار يجمع ذاكرة الفنان بـ «زمن المادة»
الاثنين - 22 يونيو 2026 02:48 م
10

الرخام لغته الحية للتعبير وإبداء الرأي


صحار ـ العُمانية: تبرز تجربة النحات والتشكيلي العُماني علي بن سليمان الجابري في كونها مغايرة بواقعها ومتخذة مسارًا مُختلفًا يمنح فيه المادّة اتصالًا فنيًّا جديدًا، ليلامس المشاعر الواقعية بتحف فنيّة ملموسة، فمنذ طفولته التي بدأت باللعب بالطين، تشكّلت مفاهيم النحت لتكبر معه لتوجد في السياق ذاته اتجاهًا فنيًّا بعد دراسته الأكاديميّة للتربيّة الفنيّة في مرحلة البكالوريوس إلى جماليّات الفنون ومُمارساتها في مرحلة الدكتوراه، ثم تجارب مُختلفة لعدد من الخامات والتقنيّات النحتيّة، ليستقر به المقام عند محاوراته العفويّة مع الرخام منذ عام 2012، لتبقى لغته الحيّة للتعبير وإبداء الرأي.

ويقول النحات والتشكيلي علي الجابري إن الإنسان يبحث باستمرار عن محامل للتعبير عن مشاعره، ولكي يبلغ مُبتغاه يوّظف مهاراته، فقيمته فيما يُحسنه، ولا يكون الإبداع إلا في قوّة التعبير، ولا يمكن للتعبير أن يظهر إلا من خلال المحامل التي تحتاج إلى مهارة عالية لإظهار التعبير من خلالها، ويتغيّر المُخاطب بلغة الخطاب، فكما يُخاطب الكاتب والشاعر السمع، يُخاطب الرسّام والنحّات البصر.

ويضيف : عندما تعجز الكلمة، يُمكن للصورة أن تكون محملًا للتعبير، وعندما تعجز الصورة قد تكون للكُتلة فعلٌ آخر، وللفراغ أفقٌ أوسع لا يؤطره إطار، والكُتلة في النحت تستضيف فراغًا تارة وتسبح في فراغ تارة أخرى، وبينهما حوار يتجاوز الصّمت، فلا الكُتلة بمعزلٍ عن الفراغ ولا الفراغ مُجرد فضاء يُحيط بالكُتلة، وإنما هما مُتضادان مُتلازمان يظهر أحدهما حُسن الآخر بين قلق الحركة ووقار السكون. وباختلاف وسائل التعبير تختلف المواد المُستخدمة فيها، وللنحّات –بوجه الخصوص- خاماتٌ وخياراتٌ مُختلفة، ولابد لاختلاف المواد تأثيرًا مُختلفًا لدى صانعها والنتيجة المُصنّعة، وهذا ما وقف عنده الجابري من خلال تجاربه ليشير إلى إنه لا ينظر إلى الخامة في النحت في كونها مادة صمّاء، بل يعدها كيانًا يحمل ذاكرةً وتاريخًا وروحًا خاصّة.

ويوضح أن الحجر الذي يعمل عليه ليس مُجرد كُتلة تشكّلت في الطبيعة، بل هو سجلٌ جيولوجيّ اختزن ملايين السنين من التحوّلات والعوامل الطبيعيّة، والخشب بدوره يحمل في أليافه ذاكرة حياة امتدّت لعقود أو ربما لقرون، لذلك فإن علاقته بالخامة تبدأ بالإنصات إليها قبل الشروع في تشكيلها.

ويصف تجربته النحتيّة بقوله: أتعامل مع المادة وفق مسارين متوازيين؛ فتارة أبحث عنها عندما أمتلك فكرة مُحددة وأحتاج إلى خامة قادرة على احتوائها والتعبير عنها، فأختار الحجر أو الخشب أو غيرهما وفق ما تقتضيه الفكرة والخطاب البصريّ للعمل، وتارة أخرى أشعر أنّ الخامة هيّ التي تبحث عني، وكأنها تدعوني لاكتشاف ما تختزنه في أعماقها من أشكال وإمكانات كامنة، فأتحوّل من صانع للشكل إلى شريك في الكشف عنه. ويُؤكد على أنه لا يرى العمليّة النحتيّة في حقيقتها فرضًا لإرادة الفنّان على المادة، ولا استسلامًا كاملاً لشخصية الخامة، بل حوارًا بين ذاكرتين، ذاكرة الفنّان بما تحمله من أفكار وتجارب، وذاكرة المادة بما تختزنه من زمنٍ طويل، ومن هذا الحوار يُولد العمل النحتيّ بوصفه حالة من التحرر المُتبادل، يحرر فيها الشكل من قيده، وتحرره الخامة من حدود الرؤية المُسبقة.

ولابد للبيئة الخارجيّة المُحيطة تأثيرٌ على الإنسان، ولو على اختلاف انعكاساتها عليه، يقول النحات والتشكيلي العُماني علي بن سليمان الجابري في هذا الجانب: من الصّعب على الفنّان أن ينفصل عن بيئته، فهيّ تشكّل ذاكرته البصريّة الأولى ومخزونه الشعوريّ والفكريّ الذي يعود إليه باستمرار، سواء أدرك ذلك أم لم يُدركه.

أما في تجربته النحتيّة واتصالها بالهويّة فيوضح الجابري :كانت البيئة العُمانية حاضرة منذ البدايات، ليس بوصفها موضوعًا مُباشرًا للعمل، بل بوصفها مصدرًا للرؤية والتأمل، كما في إحدى مراحل تجربتي اشتغلت على مُحاكاة عوامل التعرية في الحجر، وهي تجربة جاءت مُتأثرة بما كنت أشاهده في التكوينات الجيولوجيّة العُمانية المُتنوعة، حيث تركت الرياح والمياه والزمن آثارها على الصخور عبر آلاف السنين، كنت أرى في تلك التحوّلات لغة تشكيليّة عميقة، فحاولت ترجمتها إلى أعمال نحتيّة تستلهم فعل الطبيعة لا شكلها فقط.

ويُضيف :كما حضرت البيئة العُمانية في سلسلة المزاوجة بين الخشب والرخام، وهي تجربة استلهمتها من مشاهد مُتكررة في المحاجر العُمانية، حيث تتجاور الأشجار والصخور في حالة من التعايش والتكامل، وقد سعيت من خلالها إلى ترجمة هذا الحوار بين مادتين تبدوان مُتناقضتين، لكنهما تتشاركان المكان والوجود.

وفي المقابل، تأتي هويّة النحت العُماني عالميًّا، يُبدي الجابري رأيه: أعتقد أنها ما زالت في طور التشكّل والنضج، لكنها تمتلك مُقومات واضحة للتميّز من خلال ارتباطها بالبيئة المحليّة والانفتاح في الوقت نفسه على التجارب الإنسانيّة المُعاصرة، وعندما يستطيع الفنّان أن ينطلق من خصوصيته المحليّة ليُخاطب أسئلة إنسانيّة أوسع، يُصبح أكثر قدرة على الوصول إلى العالم بلغة تحمل بصمته الخاصّة.

النحات والتشكيلي علي الجابري: النحت حوار يجمع ذاكرة الفنان بـ «زمن المادة»
النحات والتشكيلي علي الجابري: النحت حوار يجمع ذاكرة الفنان بـ «زمن المادة»