تُمثِّل خطَّة مسقط، التي دشَّنتها سلطنة عُمان في الأُمم المتحدة، والتي دشَّنها معالي الدكتور وزير الأوقاف والشؤون الدينيَّة الموقَّر بحضور الأمين العام للأُمم المتحدة، وبمشاركة واسعة من الدول الأعضاء والمنظَّمات الدوليَّة في الحادي عشر من يونيو لعام 2026، امتدادًا طبيعيًّا لنهج عُماني راسخ لعقود طويلة في بناء السلام وتعزيز الحوار، وترسيخ المشترك الإنساني وتعظيم المؤتلف القيمي الأخلاقي؛ باعتباره لغة جامعة ورابطة إنسانيَّة مشتركة؛ فهي بذلك تعبير صادق عن فلسفة سلطنة عُمان في التعامل مع الإنسان وقضايا العالم، وترجمة عمليَّة للنهج الذي اختطته عبر تاريخها الطويل، والقائم على احترام الإنسان، وتعظيم قواسم المشتركات، وتغليب الحكمة على الصراع، والحوار على المواجهة، والتنمية المستدامة والمنافع المشتركة على التنافس غير المنتج.
وإن المتأمل في مضامين خطَّة مسقط ومرتكزات عملها الرئيسة: توسيع الشراكات الدوليَّة، وتمكين القيادات التقليديَّة والدينيَّة والمُجتمعيَّة، ومساندة الجهود الدوليَّة لمواجهة خطاب الكراهية والتحريض والتطرف، وتعزيز المقاربات الوقائيَّة الهادفة إلى الحدِّ من النزاعات، ودعم التَّماسُك المُجتمعي والحوار بين الثقافات والشعوب؛ يدرك أنها تستمد قوَّتها من إرث حضاري وإنساني عميق، ورصيد فكري وثقافي وأخلاقي واجتماعي تُشكِّل عبر قرون طويلة من التفاعل الحضاري والتواصل الإنساني والتبادل الثقافي والتجاري الذي عرفته عُمان مع مختلف شعوب العالم، وكانت لها قصب السَّبق في تجسيد أثر ذلك في كل المواقع والمواقف والظروف التي عايشتها سلطنة عُمان في تاريخها التجاري والحضاري البحري. لذلك جاءت الخطَّة رسالة حضاريَّة إنسانيَّة عالميَّة تجعل من الإنسان الغاية والهدف والوسيلة وأداة البناء، ولتؤكد أن العالم اليوم أحوج ما يكون إلى إعادة الاعتبار للإنسان؛ كونه غاية التنمية وهدفها، وأن النجاح الحقيقي لأيِّ مشروع دولي يكمن في قدرته على صناعة السلام، وتعزيز الاستقرار، وحماية الكرامة الإنسانيَّة، وبناء مستقبل أكثر أمنًا وأمانًا واحتواءً واحترامًا وعدالةً للأجيال القادمة.
لقد قامت التجربة العُمانيَّة عبر تاريخها على إدراك عميق وثقة في النهج بأن فرص الاتفاق بين البشر أكبر من مساحات الخلاف، وأن المؤتلف الإنساني أوسع من المختلف فيه، وأن بناء الأوطان واستقرار المُجتمعات لا يتحقق إلَّا من خلال تعزيز ثقافة التسامح والتعايش واحترام التنوع، وفتح آفاق أوسع لنمو المشتركات ونهضة القيم والأخلاق، والارتقاء بالتصرفات العالميَّة لتتَّجه إلى بناء النموذج والمثال وصناعة القدوات؛ فهي الضامنة لها من أجل حياة سعيدة وعيش كريم، وهو الطريق لمواجهة ما يتعرض له العالم بفعل غوغائيَّة البشر وطيش الذَّات، وتغييب الأخلاق والقيم من السياسة الدوليَّة وما نتج عنه من توجيه الجهد العالمي، وللأسف الشديد، نحو خلق النزاعات واتساع الصراعات وإثارة الفتن. لقد جاءت «خطَّة مسقط» لتضعها أمام المُجتمع الدولي؛ باعتبارها مرتكزًا أساسًا لبناء عالم أكثر توازنًا وعدلًا وسلامًا، ولتعيد أنظار العالم وتوجهه نحو استكشاف هذه المشتركات وإعادة إنتاجها في واقع حياة الشعوب، ونقل أثرها عبر الإعلام والتعليم والخِطاب الديني ومؤسَّسات المُجتمع المدني، والحفاظ على استمراريَّتها وتداولها وحضورها بمهنيَّة عالية في الخطاب السياسي الدولي، وإقصاء لغة الوصاية والكيل بمكيالين ولغة الانتقام والتهديد التي باتت، وللأسف الشديد، حاضرة في أروقة السياسة، بما يعنيه ذلك من دور محوري يجب أن تؤديه منظومة الأُمم المتحدة وجوبًا، وتعمل على تحقيقه المنظَّمات والمؤسَّسات المعنيَّة بالاقتصاد والتعليم والطفولة والمرأة والأسرة والبيئة والفضاء وغيرها، في إطار من الاحترام لإنسانيَّة الإنسان والتقدير لمنجز الإنسان الحضاري.
وتكتسب «خطَّة مسقط» أهميَّتها في هذه المرحلة التي يشهد فيها العالم نزاعات عميقة في مواقع مختلفة، وما تمارسه الصهيونيَّة العالميَّة، ولأكثر من ثلاثة أعوام، من أشكال الإجرام والإبادة الجماعيَّة في حق الشَّعب الفلسطيني الأعزل وغزَّة تحديدًا؛ فإنها تأتي في ظل تحوُّلات متسارعة فرضتها الثورة التقنيَّة والرقميَّة والذكاء الاصطناعي والتطورات المتلاحقة في وسائل الاتصال والتواصل. ورغم ما وفَّرته هذه التحوُّلات من فرص هائلة للتقارب بين الشعوب وتبادل المعرفة والخبرات، فإنها أوجدت ـ في الوقت نفسه ـ تحدِّيات جديدة تتعلق بالهُويَّة والقيم وانتشار خِطاب الكراهية والتضليل وصناعة الأزمات الافتراضيَّة. ومن هنا فإن «خطَّة مسقط» تقدِّم رؤية متوازنة للاستفادة من هذه الفرص كمنطلق لتعزيز التواصل الإنساني والتكامل المعرفي وتبادل التجارب والخبرات بما يخدم الإنسان، ويُعزِّز فرص السلام والتنمية. وعندها تصبح التقنيَّة والفضاءات الرقميَّة ـ في منظور «خطَّة مسقط» ـ وسيلة لبناء إنسان أكثر وعيًا وقدرة على الفهم والتفاعل والإنتاج، والحفاظ على مساحات الأمان حاضرة عبر المنصَّات الرقميَّة مع غيره من شعوب الأرض. كما أنها مدخل لبناء ميثاق أخلاقي عالمي في التعامل مع هذه التقنيَّة ومستجدَّاتها حماية وأمانًا للناشئة، وبناء الإنسان الواعي الذي يحوِّل الفرص التقنيَّة إلى مشاريع للتنمية؛ بحيث يجد العالم نفسه، في ظل القرية الصغيرة التي ولدتها التقنيَّة، أكثر تقاربًا وانسجامًا واحترامًا للخصوصيَّات والهُويَّات. وعليه، فإن «خطَّة مسقط» بذلك خيار قوَّة عالمي للانطلاق من الأحداث والأزمات الحاصلة التي أفقدت الشعوب ثقتها في سلوك المنظمات الدوليَّة والحكومات، إلى صناعة الفرص وبناء منصَّات التقاء؛ إذ تتجه رسالتها إلى الإنسان أينما كان، وإلى المؤسَّسات الدوليَّة، ومنظَّمات المُجتمع المدني، والجامعات، ومراكز البحث، ووسائل الإعلام، والمؤسَّسات الاقتصاديَّة، إيمانًا من سلطنة عُمان بأن بناء السلام والتنمية وتعظيم الأخلاق كلغة جامعة بين الشعوب، هي مسؤوليَّة جماعيَّة تتقاسمها الإنسانيَّة كلها.
إن الحديث عن «خطَّة مسقط» ـ في إطاره العميق ـ حديث عن الإنسانيَّة العُمانيَّة التي ظلت حاضرة في مختلف المواقف والمبادرات التي تبنَّتها سلطنة عُمان عبر عقود طويلة، وحازت تقدير العالم لها، وتنطلق من المشترك الإنساني، وتسعى إلى تقديم معالجات جادَّة وأُطر تصحيحيَّة يشترك العالم في الإيمان بأهميَّتها والقيمة المضافة الناتجة عن تنفيذها، بما يُعزِّز منظومة دوليَّة أكثر قدرة على احتواء التنوع وإدارة الاختلاف وتحويله إلى مصدر قوَّة وإثراء. فقد عُرفت عُمان بدورها في تقريب وجهات النظر، وفتح قنوات الحوار، وتغليب لغة العقل والحكمة، والعمل من أجلِ استقرار المنطقة والعالم. وهذه الممارسة العمليَّة أكسبت سلطنة عُمان احترام المُجتمع الدولي وثقته، وجعلت من تجربتها الموجَّهة نحو السلام والتعايش والتسامح نموذجًا يمكن الاستفادة منه في معالجة الكثير من القضايا المعقدة التي تواجه العالم المعاصر. ولعلَّ ما يميِّز هذه المبادرات العُمانيَّة، و»خطَّة مسقط» تحديدًا، أنها لا تنطلق من فرض نموذج ثقافي أو حضاري بِعَيْنِه، وإنما تؤكد احترام خصوصيَّات الشعوب وهُويَّاتها الوطنيَّة والثقافيَّة، وتؤمن بأن التنوع الإنساني مصدر ثراء وقوَّة؛ ليصنع العالم من سنة الاختلاف الكوني مرحلة قوَّة للتكامل والتعاون والعمل معًا في إطار من الاحترام المتبادل والاعتراف بالمصالح المشتركة.
من هنا فإن على العالم اليوم أن يقرأ في «خطَّة مسقط» فرصة تاريخيَّة لإعادة بناء الثقة، وتعزيز ثقافة التعاون الدولي، وإشاعة قيم السلام والتنمية، وتحويلها إلى منصَّة عالميَّة للحوار والتسامح والتعاون والتكامل الإنساني، وإلى ميثاق عملي للسلام والتنمية والتعايش والاحترام وتقدير المنجز الإنساني. كما أن على منظومة الأُمم المتحدة ومؤسَّسات المُجتمع الدولي أن تعمل على تعظيم الأثر الناتج عن هذه الخطَّة من خلال إدماج مبادئها في السياسات والبرامج والاستراتيجيَّات والخطط والعقود الدوليَّة ذات الصلة بالتنمية المستدامة، وحقوق الإنسان والتعليم، والثقافة والبيئة، والفضاء الرقمي والهُويَّة والمواطنة، وأن تتحول مضامين الخطَّة إلى ثقافة مُجتمعيَّة وسلوك أصيل وممارسة مؤسَّسيَّة، وأن ينشط دور مؤسَّسات التعليم والإعلام والأسرة ومؤسَّسات المُجتمع المَدني في صناعة نماذج تقدم صورة نوعيَّة تحافظ على المشتركات الإنسانيَّة، وتعلي من القيم والأخلاق كرابطة إنسانيَّة، وتعمل على غرس قيم الحوار والتسامح والتعايش واحترام التنوع وتعزيز المسؤوليَّة الإنسانيَّة المشتركة لدى الأجيال، بما يضمن استدامة هذه القيم وتحوّلها إلى أسلوب حياة، وتعزيز الخِطاب الإيجابي ومواجهة خِطاب الكراهية والتحريض والانقسام، وإبراز النماذج الإنسانيَّة الملهمة التي تؤكد قدرة الإنسان على التعايش والتعاون في ظل اختلاف الثقافات والانتماءات.
أخيرًا، تبقى «خطَّة مسقط» نافذة الإنسانيَّة العُمانيَّة إلى العالم، ومنصَّة عالميَّة للحوار والوئام والتسامح والتعاون والتكامل الإنساني، وميثاقًا عمليًّا للسلام والتنمية والتعايش والاحترام وتقدير المنجز الإنساني؛ ودعوة مفتوحة لإعادة رسم ملامح عالم جديد عنوانه الإنسان الواعي، والسلام المستدام، والتنمية الشاملة، لِيستعيدَ العالم فيها أنفاسه، ويقرأ واقعه، ويقف على تحدِّياته، ويتدارك أخطاءه، ويعيد تصحيح ممارساته، ويضبط خلالها بوصلة قراراته ولُغَته التواصليَّة، عبر التجسيد العملي لما طرحته «خطَّة مسقط» من بدائل وخيارات، ومسارات وأنماط، وبرامج لحل مشكلاته وتحدِّياته، في ظلال المبادئ والأخلاق والمشتركات.
د.رجب بن علي العويسي