الأحد 21 يونيو 2026 م - 6 محرم 1448 هـ
أخبار عاجلة

رأي الوطن : امتداد التنمية عبر الطاقة المتجددة

الأحد - 21 يونيو 2026 03:19 م

رأي الوطن

10

يشهد قِطاع الطَّاقة المُتجدِّدة في سلطنة عُمان مرحلةً جديدةً من التطور، تعكس وضوح الرؤية الوطنيَّة تجاه بناء اقتصادٍ أكثر استدامةً وقدرةً على مُواكبة التحوُّلات العالميَّة في مجال الطَّاقة. ويأتي إطلاق برنامج «امتداد» للمحطَّات المُجتمعيَّة للطَّاقة الشمسيَّة لِيجسِّدَ هذا التوجُّه بصورة عمليَّة تترجم مستهدفات رؤية «عُمان 2040» إلى مبادرات قابلة للتنفيذ، وذات أثرٍ مباشر على المُجتمع والاقتصاد والبيئة. فالطَّاقة المُتجدِّدة تخطَّت كونها خيارًا تقنيًّا يقتصر على إنتاج الكهرباء، وأصبحت جزءًا من منظومة التنمية الشاملة التي تسعى إلى تحقيق التوازن بين النُّمو الاقتصادي، والحفاظ على الموارد الطبيعيَّة وتعزيز جودة الحياة. كما أنَّ التوجُّه نحو الطَّاقة الشمسيَّة ينسجم مع مستهدفات سلطنة عُمان للوصول إلى الحياد الصفري الكربوني بحلول عام 2050، وهو هدفٌ استراتيجي يتطلب توسيع مساهمة مصادر الطَّاقة النظيفة في مزيج الطَّاقة الوطني، وتعزيز كفاءة استخدام الموارد، وتَبنِّي نماذج مبتكرة ترفع من مستوى مشاركة المُجتمع في جهود التحوُّل الطَّاقي.

ويُمثِّل برنامج «امتداد» نموذجًا متقدمًا في إشراك المُجتمع في منافع الطَّاقة المُتجدِّدة، من خلال إتاحة الاستفادة من إنتاج المحطَّات الشمسيَّة دون الحاجة إلى تركيب أنظمة شمسيَّة في المنازل أو المنشآت. وتكتسب هذه الآليَّة أهميَّة كبيرةً؛ لأنَّها توسِّع قاعدة المستفيدين من الطَّاقة النظيفة، وتمنح شرائح أوسع من المُجتمع فرصة الحصول على أرصدة تنعكس مباشرةً على قيمة فواتير الكهرباء. فالبرنامج يُعزِّز مفهوم الشراكة في التنمية؛ حيث تتكامل أدوار الجهات التنظيميَّة والشركات المُرخَّص لها والمشتركين ضمن منظومة واحدة تستهدف تعظيم الاستفادة من الإمكانات المتاحة. ويأتي إطلاق محطَّة الوادي الكبير للطَّاقة الشمسيَّة المُجتمعيَّة؛ باعتبارها أول محطَّة من نوعها في سلطنة عُمان وأول مشروع تطبيقي ضمن البرنامج، ليؤسِّسَ لمرحلة جديدة يمكن البناء عليها والتوسُّع من خلالها في مختلف المحافظات، بما يحوِّل الطَّاقة الشمسيَّة إلى مشروع تنموي مُجتمعي واسع النطاق.

ولعلَّ الأثر الاقتصادي للطَّاقة المُتجدِّدة يُمثِّل أحَد أهمِّ الدوافع وراء التوسًّع في هذا القِطاع؛ فالاستثمار في الطَّاقة الشمسيَّة يُحقق وفوراتٍ مستدامةً في تكلفة إنتاج الكهرباء، ويُسهم في تعزيز كفاءة منظومة الدَّعم الوطني للكهرباء، كما يفتح مجالات أوسع للاستثمار في الصناعات والخدمات المرتبطة بالطَّاقة النظيفة. ومن هذا المنطلق تأتي أهميَّة ما أشار إليه رئيس هيئة تنظيم الخدمات العامَّة من أنَّ برنامج «امتداد» يتجاوز الجوانب الفنيَّة لِيشملَ أبعادًا اقتصاديَّة واجتماعيَّة وبيئيَّة متكاملة؛ إذ يُسهم في تحفيز الاستثمار، وتعزيز المحتوى المحلِّي، وفتحِ فرصٍ جديدة أمام الكفاءات الوطنيَّة والشركات المحليَّة. وتلك الأبعاد تُمثِّل جزءًا أساسًا من فلسفة التنمية المستدامة التي تقوم على تحقيق قيمة اقتصاديَّة مستمرَّة بالتوازي مع تنمية رأس المال البشري، وتعزيز قدرة المؤسَّسات الوطنيَّة على المشاركة في القِطاعات المستقبليَّة ذات النُّمو المرتفع.

إنَّ الوصول إلى الحياد الصفري الكربوني بحلول عام 2050 يتطلب الانتقال من مرحلة المبادرات الفرديَّة إلى بناء منظومة وطنيَّة متكاملة للطَّاقة المُتجدِّدة، وهو ما تظهره بوضوح البرامج والمشروعات التي يجري تنفيذها في مختلف أنحاء السَّلطنة. ويأتي «امتداد» ليقدِّمَ نموذجًا عمليًّا يربط بين الأهداف البيئيَّة والاقتصاديَّة والاجتماعيَّة في إطار واحد، ويؤكِّد أنَّ التنمية المستدامة تتحقق عندما تتحول الموارد المتاحة إلى أُصول منتجة تدعم الاقتصاد، وتحافظ على البيئة، وتعود بالنفع المباشر على المُجتمع. كما أنَّ نجاح هذه التجربة سيُسهم في ترسيخ ثقافة الاستدامة، وتعزيز الوعي بأهميَّة الطَّاقة النظيفة ودَوْرها في بناء مستقبلٍ أكثر ازدهارًا للأجيال القادمة، وهو ما يتوافق مع الرؤية السَّامية لحضرة صاحب الجلالة السُّلطان هيثم بن طارق المُعظَّم ـ حفظه الله ورعاه ـ التي تضع الاستدامة والابتكار وكفاءة استثمار الموارد في صميم مَسيرة التنمية الوطنيَّة؛ لِتواصلَ عُمان بناء نموذج تنموي متوازن يجمع بين الطموح الاقتصادي والمسؤوليَّة البيئيَّة والرفاه الاجتماعي.