تُمثِّل مواجهة خطاب الكراهية إحدى القضايا التي تتصدر اهتمامات المُجتمع الدولي في المرحلة الراهنة؛ لِمَا تسبِّبه الظاهرة من آثار سلبيَّة على استقرار المُجتمعات وتماسكها، وما يمكن أن تقود إليه من انقسامات وصراعات تهدِّد الأمن والسِّلم على المستويات المحليَّة والإقليميَّة والدوليَّة. وتكتسب مشاركة سلطنة عُمان في الفعالية رفيعة المستوى بمناسبة اليوم الدولي الخامس لمكافحة خطاب الكراهية أهميَّة خاصَّة؛ لأنها تعكس حضورًا عُمانيًّا فاعلًا في الجهود الدوليَّة الرامية إلى تعزيز ثقافة الاحترام والتفاهم بين الشعوب. كما تؤكد المشاركة العُمانيَّة أن القيم التي تنطلق منها السلطنة في تعاملها مع مختلف القضايا الإنسانيَّة أصبحت جزءًا من مساهمتها في معالجة التحدِّيات العالميَّة المرتبطة بالتعايش والسلام والتنوع الثقافي. ويأتي ذلك امتدادًا لنهج راسخ جعل من الحوار والتفاهم واحترام الآخر مرتكزات أساسيَّة في بناء العلاقات الإنسانيَّة وصياغة المواقف السياسيَّة والدبلوماسيَّة.
وتعكس كلمة سلطنة عُمان أمام الأُمم المتحدة حجم الاهتمام الذي تُولِيه لترسيخ ثقافة التسامح والتعايش؛ باعتبارها جزءًا أصيلًا من هُويَّتها الوطنيَّة ومَسيرتها الحضاريَّة الممتدة عبر التاريخ؛ فقد نجحت السلطنة في تقديم نموذج متوازن لإدارة التنوع الثقافي والدِّيني، قائم على الاحترام المتبادل والانفتاح الواعي على مختلف الثقافات، وهو ما أسهم في بناء مُجتمع يتمتع بدرجة عالية من الاستقرار والتَّماسُك الاجتماعي. وتنبع أهميَّة التجربة العُمانيَّة من نجاحها في إدارة التنوع داخل المُجتمع، وأيضًا عبر قدرتها على تحويل قيم التسامح والتعايش إلى جزء من السلوك اليومي والمؤسَّسي، وهو ما منح المُجتمع مناعة فكريَّة ساعدته على تجنب كثير من مظاهر الاستقطاب التي شهدتها مُجتمعات أخرى حول العالم. فخطاب الكراهية ينمو تدريجيًّا في البيئات التي تضعف فيها ثقافة الحوار وتتراجع فيها قيم الاحترام المتبادل؛ الأمر الذي يجعل الاستثمار في بناء الوعي المُجتمعي وتعزيز منظومة القيم الوطنيَّة إحدى أكثر أدوات الوقاية فاعليَّة واستدامةً. كما أن السياسات الوطنيَّة والبرامج التعليميَّة والتوعويَّة التي تتبناها المؤسَّسات المختلفة تعزز تلك القيم بصورة مستمرة، من خلال ترسيخ مفاهيم الحوار وقَبول الآخر والمسؤوليَّة المُجتمعيَّة، والوعي الرقمي لدى الأجيال الجديدة. وتكتسب هذه الجهود أهميَّة متزايدة في ظل التحولات المتسارعة التي يشهدها العالم وانتشار المنصَّات الرقميَّة، التي أصبحت إحدى القنوات الرئيسة لتداول الأفكار والمعلومات؛ الأمر الذي يفرض ضرورة تعزيز الوعي المُجتمعي القادر على التمييز بين حُريَّة التعبير وخطابات التحريض والكراهيَّة.
ولعلَّ أبرز ما يلفت الانتباه في الحضور العُماني هو التركيز على «خطَّة مسقط»، التي أطلقتها السلطنة بالشراكة مع الأُمم المتحدة وعدد من المؤسَّسات الدوليَّة المعنيَّة ببناء السلام وتعزيز التفاهم بين المُجتمعات، والتي تُمثِّل مبادرة نوعيَّة تعكس انتقال الدور العُماني من المشاركة في النقاشات الدوليَّة إلى الإسهام المباشر في إنتاج المبادرات والحلول العمليَّة للتحدِّيات الإنسانيَّة المعاصرة؛ حيث تؤكد الخطَّة أهميَّة تمكين القيادات الدينيَّة والتقليديَّة والمُجتمعيَّة من القيام بدور أكثر فاعليَّة في الوقاية من خطاب الكراهية والتطرف، وتعزيز ثقافة الحوار والاحترام المتبادل والتَّماسُك المُجتمعي. وتتجلى أهميَّة المبادرة في تركيزها على معالجة الأسباب التي تهيئ البيئة المناسبة لانتشار الكراهية، من خلال بناء الوعي وترسيخ قيم المسؤوليَّة المشتركة، وتعزيز قدرة المُجتمعات على احتواء الاختلاف وتحويل التنوع إلى مصدر قوَّة وإثراء.
إنَّ ما تقدِّمه سلطنة عُمان في هذا المجال يظهر جانبًا مهمًّا من قوَّتها الناعمة وحضورها الدولي المتنامي؛ حيث تواصل توظيف رصيدها من المصداقيَّة والثقة الدوليَّة لخدمة القضايا المرتبطة بالسلام والاستقرار والتفاهم الإنساني. كما تؤكد مشاركاتها ومبادراتها المتعددة أن مواجهة خطاب الكراهية أصبحت مسؤوليَّة جماعيَّة تتطلب شراكات واسعة وتعاونًا مستمرًّا بين الحكومات والمؤسَّسات الدوليَّة والمُجتمعات المدنيَّة والقيادات الفكريَّة والدينيَّة. ومن هذا المنطلق تتبلور أهميَّة النموذج العُماني الذي يجمع بين الالتزام الوطني والانفتاح الدولي، ويقدِّم رؤية تقوم على أن الاحترام المتبادل والحوار والتفاهم تُمثِّل الأساس الأكثر قدرة على بناء مُجتمعات متماسكة ومستقبل أكثر أمنًا واستقرارًا. كما تؤكد الرؤية العُمانيَّة أن التنوع الإنساني قيمة حضاريَّة كبرى، قادرة على تعزيز الإبداع والتقدم عندما تتم إدارته في إطار من الاحترام والتعاون والمسؤوليَّة المشتركة.