لم يَعُد دور جهاز الاستثمار العُماني قاصرًا على إدارة أصول الدولة وتنميتها، شأنه في ذلك شأن أغلب الصناديق السياديَّة حول العالم، بل اتخذ جهاز الاستثمار العُماني نهجًا تحوّل فيه إلى دور أكثر شموليَّة، يمكن عنونته بتوجيه رأس المال الوطني إلى بناء المستقبل. ففضلًا عن إدارة المحافظ الاستثماريَّة وتحقيق العوائد الماليَّة، بات جهاز الاستثمار العُماني إحدى الأدوات الوطنيَّة الرئيسة لتنفيذ مستهدفات رؤية «عُمان 2040». فقد تبنَّى الجهاز نهجًا يقوم على توظيف رأس المال في بناء قطاعات اقتصاديَّة جديدة وتعزيز التنويع الاقتصادي، بما يسهم في إيجاد فرص عمل مستدامة وتعزيز تنافسيَّة الاقتصاد الوطني. ومن هذا المنطلق، باتت الاستثمارات تُقاس بقدرتها على صناعة القيمة المضافة للاقتصاد العُماني، وليس بحجم العائد المالي فقط. وجاء عام 2026 ليؤكد قدرة الجهاز على ترجمة الخطط إلى نتائج ملموسة؛ حيث أظهرت المؤشرات الماليَّة نموًّا لافتًا في حجم الأصول والعوائد الاستثماريَّة، إلى جانب استمرار مساهمة الشركات التابعة في دعم الاقتصاد الوطني. كما عكست الإنجازات التي تحققت خلال السنوات الماضية تسارعًا في وتيرة التنفيذ، بما يعكس مرونة الجهاز وقدرته على استثمار المتغيرات الاقتصاديَّة العالميَّة وتحويلها إلى فرص تنمويَّة؛ الأمر الذي جعل من عام 2026 محطَّة مهمَّة في مَسيرة الجهاز. واستطاع جهاز الاستثمار العُماني بناء محفظة استثماريَّة متنوعة تمتدُّ إلى عشرات الدول والقطاعات؛ الأمر الذي وفَّر له القدرة على إدارة المخاطر، والاستفادة من الفرص الواعدة في مختلف الأسواق العالميَّة. كما تبنَّى سياسة استثماريَّة مرنة تقوم على إعادة تدوير رأس المال والتخارج من الأصول الناضجة، وإعادة توجيه الاستثمارات نحو قطاعات أكثر نموًّا، وهو ما أسهم في تعزيز العوائد وتحقيق الاستدامة الماليَّة.
وإن كانت هذه الإنجازات تُعَدُّ أمرًا فرضه واقع الظروف الاقتصاديَّة أو التحولات العالميَّة، فإن ما ساعد على تحقيق هذا المنجز هو الرؤية الاستراتيجيَّة الواضحة التي تقودها القيادة العليا للجهاز، مدعومة بمتابعة حثيثة من مجلس الإدارة والإدارة التنفيذيَّة، التي نجحت في ترسيخ ثقافة تقوم على الكفاءة والحوكمة واستشراف الفرص المستقبليَّة. وتبرز هنا أهميَّة التكامل المؤسَّسي مع المنظومة المتكاملة لصناعة القرار الاقتصادي، وعلى رأسها مكتب نائب رئيس الوزراء للشؤون الاقتصاديَّة، بما يضمن مواءمة القرارات الاستثماريَّة مع الأولويَّات الاقتصاديَّة للدولة، ويعزز سرعة اتخاذ القرار وتنسيق الجهود بين مختلف الجهات ذات العلاقة. وكذلك مع إنشاء مجلس التنسيق الاقتصادي برئاسة صاحب السُّمو السَّيد ذي يزن بن هيثم، الذي يُعَدُّ نقلة نوعيَّة في بناء منظومة اقتصاديَّة أكثر تكاملًا؛ حيث يوفِّر إطارًا مؤسَّسيًّا يربط بين السياسات الحكوميَّة ومتطلبات القطاع الخاص والتوجهات الاستثماريَّة طويلة المدى.
كما اعتمد الجهاز نهجًا يقوم على الإفصاح والحوكمة وتعزيز التواصل مع المُجتمع، من خلال المؤتمرات الصحفيَّة الدوريَّة ونشر التقارير السنويَّة التي تتضمن تفاصيل الأداء المالي والاستثماري. وأسهم هذا النهج في ترسيخ الثقة وتعزيز مصداقيَّة الجهاز لدى المستثمرين والشركاء الدوليين، كما انعكس في تحقيقه مراكز متقدمة عالميًّا في مؤشرات الحوكمة والشفافيَّة بين صناديق الثروة السياديَّة؛ الأمر الذي أوجد قاعدة تمكِّن الجهاز من استشراف التحولات الاقتصاديَّة العالميَّة من خلال التوجُّه نحو الاستثمارات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي والبنية الرقميَّة المتقدمة. ومن أبرز الأمثلة على ذلك نجاحه في تحقيق عوائد استثنائيَّة من استثماراته في الشركات المتخصصة في البنية الأساسيَّة للذكاء الاصطناعي، وهو ما يعكس مرونة السياسة الاستثماريَّة للجهاز وحرصه على اقتناص الفرص في القطاعات الأسرع نموًّا عالميًّا، بما يضمن تحقيق عوائد مستدامة للأجيال القادمة.
ومن بين الرهانات المستقبليَّة لجهاز الاستثمار يأتي الهيدروجين الأخضر، الذي عمل الجهاز على دعم المشروعات المرتبطة بالطاقة النظيفة والاستثمار في التقنيَّات الحديثة ذات الصلة. ويعزز هذا التوجُّه مكانة سلطنة عُمان كأحد المراكز العالميَّة الواعدة لإنتاج وتصدير الهيدروجين الأخضر، مستفيدةً من موقعها الجغرافي ومواردها الطبيعيَّة والبنية الأساسيَّة التي يجري تطويرها.
وينطلق الجهاز من قناعة راسخة بأن الاستثمار في الإنسان هو الاستثمار الأكثر استدامة؛ ولذلك وضع تمكين الشباب العُماني في صدارة أولويَّاته، سواء من خلال برامج التدريب والتأهيل، أو عبر توطين الوظائف النوعيَّة والقياديَّة في الشركات التابعة. كما حرص على دعم المؤسَّسات الصغيرة والمتوسطة وروَّاد الأعمال، بما يتيح للشباب فرصًا أوسع للمشاركة في بناء الاقتصاد الوطني وقيادة قطاعات المستقبل.