أيها الأحباب.. لقد كانت الهجرة النبوية ضرورة حتمية اقتضتها ظروف الدعوة الإسلامية في مكة، فقد اشتد الأذى برسول الله (صلى الله عليه وسلم) وأصحابه، وضاقت بهم السبل في تبليغ رسالة الحق.
فكانت الهجرة انتقالًا من مرحلة الاستضعاف إلى مرحلة التمكين، ومن بيئة الاضطهاد إلى بيئة النصرة والتأييد، وقد هيأ الله تعالى أهل يثرب لنصرة الله ورسوله، حيث أن الهجرة لم تكن أمرًا غريبًا في تاريخ الرسالات، بل هي سمة الأنبياء والمرسلين من قبل؛ قال الله تعالى:(وَإِن كَادُواْ لَيَستَفِزُّونَكَ مِنَ ٱلأَرضِ لِيُخرِجُوكَ مِنهَا وَإِذا لَّا يَلبَثُونَ خِلَافَكَ إِلَّا قَلِيلا، سُنَّةَ مَن قَد أَرسَلنَا قَبلَكَ مِن رُّسُلِنَا وَلَا تَجِدُ لِسُنَّتِنَا تَحوِيلًا) (الإسراء 76 – 77)، فقد هاجر سيدنا إبراهيم ـ عليه السلام ـ من أرض قومه بالعراق إلى الأرض المباركة بطور سيناء، وهاجر سيدنا موسى ـ عليه السلام ـ ببني إسرائيل من بطش فرعون إلى أرض الحرية ببيت المقدس، وهكذا توالت الهجرات في مسيرة الأنبياء لتكون طريقاً إلى حفظ الدين ونشر الدعوة الإسلامية، ومن هنا جاءت هجرة النبي محمد (صلى الله عليه وسلم) امتدادًا لهذا النهج الرباني والسنة الكونية، لتؤكد أن الانتقال في سبيل الله ليس فرارًا من الواقع، بل هو تأسيس لمرحلة جديدة من الدعوة، حيث تتهيأ الأرض لنشر نور الرسالة الإلهية، وتُبنى من خلالها الدولة على أساس عقيدة التوحيد، قال الله تعالى: (إِلَّا تَنصُرُوهُ فَقَد نَصَرَهُ ٱللَّهُ إِذ أَخرَجَهُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ ثَانِيَ ٱثنَينِ إِذ هُمَا فِي ٱلغَارِ إِذ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحزَن إِنَّ ٱللَّهَ مَعَنَا فَأَنزَلَ ٱللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُود لَّم تَرَوهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ ٱلسُّفلَى وَكَلِمَةُ ٱللَّهِ هِيَ ٱلعُليَا وَٱللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ) (التوبة ـ 40).
وعلى سبيل العموم فقد استخدمت لإتمام الهجرة كل عناصر البيئة المتاحة لإتمامها، وعلى وجه الخصوص فقد كان لسيدنا أبي بكر الصدّيق ـ رضي الله عنه ـ دورٌ بارز في الإعداد العملي للهجرة النبوية؛ وذلك في أهم الجوانب التي أدت لإتمام الهجرة المباركة، وكان من أول ما فعله بعدما ذهب إليه رسول الله (صلى الله عليه وسلم) وأخبره أن الله تعالى أذن له بالهجرة، وقد رُوي أن أبا بكر ـ رضي الله عنه ـ قال للنبي (صلى الله عليه وسلم) حين أذن الله له بالهجرة: «الصحبة يا رسول الله»، فأجابه النبي (صلى الله عليه وسلم) بالقبول، فبكى أبو بكر من شدّة الفرح، ثم أسرع إلى تجهيز الراحلتين، ليكون بذلك أول من شارك النبي (صلى الله عليه وسلم) في تفاصيل هذه الرحلة المباركة، مهيّئًا الوسيلة ومُقدِّمًا نفسه وماله في سبيل نصرة الدعوة، إذ هيّأ راحلتين من ماله الخاص قبل الموعد المعلوم، وأعدّهما إعدادًا كاملًا ليكونا جاهزتين في اللحظة التي يخرج فيها رسول الله (صلى الله عليه وسلم) من مكة، وعند ابْن هِشَام وَغَيره من كتب السّير: (وَجَاء أَن النَّبِي ـ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم ـ قَالَ لأبي بكر: لَا أركب الرَّاحِلَة إِلَّا بِالثّمن، فَقَالَ أَبُو بكر: بِالثّمن يَا رَسُول الله، وَقَالَ بعض أهل الْعلم: قد ورد أَن أَبَا بكر أنْفق على النَّبِي ـ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم ـ مَاله كُله، وَقَالَ ـ عَلَيْهِ الصلاة والسَّلَام: إِن آمنكم عَليّ فِي مَاله أَبُو بكر، فَمَا وَجه كَونه امْتنع أَن يركب الرَّاحِلَة إِلَّا بِالثّمن؟ وَأجِيب أَنه ـ عَلَيْهِ الصلاة والسَّلَام ـ أَرَادَ أَن تكون هجرته لله بِنَفسِهِ وبماله، لَا يَسْتَعِين فِي ذَلِك بالخلق). (استحسنه السُّهيْلي، الرَّوْض الْأنف 2/ 3)، كما أنفق ـ رضي الله تعالى عنه ـ في سبيل ذلك ماله، محتسبًا الأجر عند الله، ليؤكد أن الهجرة لم تكن مجرد انتقال مكاني، بل كانت مشروعًا إيمانيًّا يتطلّب التضحية والبذل.
وهذا الموقف يدل على إخلاص سيدنا أبي بكر وسبقه في خدمة الإسلام، ويجعل من تجهيز الراحلتين رمزًا للتضحية والوفاء، ودليلًا على أن الهجرة كانت ثمرة تعاون بين النبي (صلى الله عليه وسلم) وصاحبه الأمين، في سبيل إقامة الدين ونشر الرسالة، (مِّنَ ٱلمُؤمِنِينَ رِجَال صَدَقُواْ مَا عَاهَدُواْ ٱللَّهَ عَلَيهِ فَمِنهُم مَّن قَضَى نَحبَهُ وَمِنهُم مَّن يَنتَظِرُ وَمَا بَدَّلُواْ تَبدِيلا) (الأحزاب ـ 23).. وللحديث بقية.
د.محمود عدلي الشريف