عندما يقلب الإنسان عينيه ويديه وقلبه ووعيه بين الشاشات والمنصَّات المختلفة على الشبكة العنكبوتيَّة أكثر ما يلفتُ انتباهه هو خطابات الكراهية التي أصبحت السِّمة الغالبة عليها، سواء على الساحة السياسيَّة أو حتى الاجتماعيَّة.. فللأسف في عالمنا اليوم تعددت بصورة فجة مظاهر الانقسام، وازدادت الأزمات وأصبحنا نفتقد الإحساس بالأمان والسلام النفسي.
ولكن وسط هذا الظلام تبرز بين الحين والآخر مبادرات تتجاوز حدود السياسة التقليديَّة لتلامسَ ضمير الإنسان وما يحمله من قيم التعايش المشترك.. ومنها «خطة مسقط» التي تم إطلاقها مؤخرًا من مقر الأمم المتحدة في نيويورك لتعكس من جديد حضورًا عُمانيًّا متجددًا في صناعة السلام، وتعزيز التفاهم بين الشعوب.. فهذه المبادرة ليست وليدة لحظة عابرة أو استجابة ظرفيَّة لتحدِّيات راهنة، بل هي نتاج ثمرة مسار طويل وطويل من العمل الفكري والإنساني والتشاور الدولي الذي شاركت فيه الأمم المتحدة وشبكة صُناع السلام الدينيين والتقليديين إلى جانب قيادات دينيَّة ومُجتمعيَّة ومؤسَّسات دوليَّة من مختلف أنحاء العالم.. وهذا ما منح الخطة بُعدًا عالميًّا يعكس توافقًا دوليًّا متناميًا على أهميَّة الوقاية من النزاعات قبل اندلاعها ومعالجة أسبابها العميقة قبل أن تتحول إلى أزمات وصراعات مفتوحة، وهذا يؤكد على أهميَّة هذه المبادرة الإنسانيَّة العظيمة.
إن «خطة مسقط» تحمل في جوهرها رؤية إنسانيَّة قوامها أن مواجهة الكراهية والعنف لا تتحقق عبر الأدوات الأمنيَّة والسياسيَّة وحدها، ولكنها تحتاج إلى بناء جسور الحوار وتعزيز الثقة بين مُكوِّنات المُجتمع الواحد مع دعم القيادات المُجتمعيَّة والدينيَّة والثقافيَّة القادرة على نشر قيم الاعتدال والتسامح والتفاهم.. وهذا ما أكسب الخطَّة أهميَّتها بوصفها إطارًا عمليًّا يسعى إلى تحويل هذه القيم إلى برامج وشراكات وآليَّات عمل مستدامة.
لا شك أن «خطة مسقط» تُمثِّل إضافة نوعيَّة إلى رصيد القوَّة الناعمة العُمانيَّة التي بنَتْها سلطنة عُمان عبر عقود من السياسة المتوازنة والحضور الهادئ والفاعليَّة الدبلوماسيَّة القائمة على الحوار والوساطة.. فالدول لم تَعُدْ تُقاس فقط بما تملكه من إمكانات ماديَّة أو نفوذ سياسي، إنما بما تستطيع أن تقدمه للعالم من نماذج أخلاقيَّة وإنسانيَّة تسهم في صناعة الاستقرار وتعزيز السلم الدولي.. ويأتي إطلاق الخطَّة امتدادًا طبيعيًّا لمسيرة عُمانيَّة راسخة في هذا المجال.. فالتاريخ العُماني حافل بالأمجاد ومطرَّز بأكاليل الغار وبالمبادرات والفعاليَّات والجهود المضنيَّة التي رسخت اسم السلطنة في سجل الدول الراعية للسلام والداعية للتسامح والتعايش الآمن.. فهناك مبادرات رائدة مثل «رسالة السلام» التي جابت العالم شرقًا وغربًا وشمالًا وجنوبًا ولم تترك شبرًا في الكرة الأرضيَّة إلَّا وكان لها موطئ قَدَم للتعريف بالتجربة العُمانيَّة في التسامح والتعايش.. وهناك أيضًا مشروع «المؤتلف الإنساني» الذي رسَّخ قيم الحوار الحضاري والشراكة الإنسانيَّة.. بالإضافة إلى الكثير والكثير من المؤتمرات والندوات والفعاليَّات المختلفة والمتنوعة التي تصبُّ في هذه الخانة.. وتأتي «خطَّة مسقط» اليوم لتضيف بُعدًا أكثر شمولًا من خلال التركيز على الوقاية من النزاعات وتعزيز التَّماسُك المُجتمعي، ومواجهة خطاب الكراهية والتحريض على العنف.
ولعلَّ ما يضفي على هذه المبادرة أهميَّة خاصَّة هو انطلاقها من قلب المؤسَّسة الدوليَّة الأكبر ومن على منصَّة الأمم المتحدة، وبشراكة واسعة مع هيئاتها المعنيَّة بالحوار ومنع الإبادة الجماعيَّة وحماية المُجتمعات من مخاطر الانقسام.. وهذا يعكس مستوى الثقة الدوليَّة المتنامية بالدور العُماني، وقدرته على المساهمة في بناء مسارات جديدة للسلام، والتفاهم في عالم يشهد تحولات متسارعة وتحدِّيات متشابكة.
الشيء الجميل أن الخطَّة تحمل اسم مسقط تلك المدينة التي عرفت عبر تاريخها الطويل بأنها بوابة للتواصل بين الحضارات وميناء للتبادل الإنساني والثقافي.. لتتحول اليوم إلى رمز لمعنى أوسع عنوانه الحوار والتقارب والسلام.. فقد أصبحت مسقط بما تُمثِّله من إرث حضاري وإنساني مرادفًا لنهج يقوم على الاعتدال والتوازن والانفتاح على الآخر.
إن «خطَّة مسقط» ليست مجرد وثيقة أو إعلان دولي، وإنما هي رسالة حضاريَّة تؤكد أن السلام يبدأ من الإنسان.. وأن التفاهم بين الثقافات والشعوب هو الطريق الأقصر نحو عالم أكثر استقرارًا وعدلًا.. كما أنها تعكس إيمان السلطنة بأن الاستثمار في الحوار والكرامة الإنسانيَّة والتَّماسُك المُجتمعي هو استثمار في مستقبل البشريَّة جمعاء والذي لطالما نادت به مرارًا وتكرارًا عبر تاريخها الناصع الطويل.
إن هذا المشروع الدولي الواعد يفتح صفحة جديدة في سجل الحضور العالمي لسلطنة عُمان التي تؤكد دائمًا أن الحكمة والاعتدال والتفاهم ليست شعارات ترفع في المحافل الدوليَّة، بل قيم يمكن تحويلها إلى مبادرات عمليَّة تصنع الفرق، وتمنح العالم أملًا متجددًا في مستقبل أكثر سلامًا وإنسانيَّة.. فالسلام ليس خيارًا سياسيًّا، ولكنه مشروع حضاري متكامل يطرح رؤية مختلفة تقوم على الوقاية قبل المواجهة وعلى ترسيخ ثقافة التفاهم بوصفها خط الدفاع الأول عن استقرار المُجتمعات.
ناصر بن سالم اليحمدي
كاتب عماني