تطرح المواطنة الرقميَّة اليوم نفسها بقوَّة على الواقع العالمي في ظل التحولات المتسارعة وتداعيات التصعيد الذي تشهده المنطقة، وما صاحبها من تغيُّرات في أنماط التفكير والسلوك الإنساني والوعي، والصورة الأخرى التي باتت تروَّج عبر التقنيَّة والمنصَّات الاجتماعيَّة، في ظل حجم الشحن المستمر للأفكار غير المنضبطة والمعلبات الفكريَّة واتساع دوائر التأثير للمروجين، حيث أفرزت التحولات الإقليميَّة والدوليَّة، وما رافقها من أحداث سياسيَّة وأمنيَّة متسارعة، بيئة خصبة لانتشار الأفكار المشوشة والمشوَّهة في الوقت نفسه، والخطابات التحريضيَّة التي تروّج لها بعض الحسابات الوهميَّة أو المدفوعة التكاليف، مستغلة منصَّات التواصل الاجتماعي وطبيعة التفاعل المفتوح والبُعد العاطفي لدى الشباب.
لقد أوجدت الفضاءات الرقميَّة واقعًا جديدًا تجاوز الحدود الجغرافيَّة التقليديَّة، وأصبح الفرد جزءًا من فضاء عالمي مفتوحة فضاءاته، متسارعة متغيراته، متراكمة تحدِّياته، يتفاعل فيه مع ثقافات وأفكار واتجاهات متعددة، الأمر الذي يضع المواطنة أمام تحدِّيات وفرص جديدة في الوقت نفسه. فمن جهة، أتاحت التقنيَّة فرصًا واسعة للتعلم والتواصل والمشاركة، ونقل المعرفة والتعريف بالمنجز الوطني وتقديم المبادرات النوعيَّة التي تجسِّد حسَّ المواطنة وقيم الوطن، وتعبِّر عن مفهوم الولاء والانتماء والمسؤوليَّة، وتجسدها في أنماط تفاعليَّة ونماذج تطبيقيَّة محسوسة ومتنوعة وقابلة للتداول، كما تشهد متابعة وجذبًا لدى المتلقين. ومن جهة أخرى، أوجدت تحدِّيات تتعلق بالهُويَّة والثقافة والقيم، وانتشار الشائعات وخطابات الكراهيَّة والتضليل الإعلامي والمعلوماتي والتوجُّهات الفكريَّة غير المسؤولة للمروجين للدعاية والإعلانات التي باتت تؤثر في وعي الأفراد واتجاهاتهم.
ومن هنا برزت المواطنة الرقميَّة؛ باعتبارها إطارًا عمليًّا يؤسِّس لعلاقة متوازنة بين الفرد ووطنه والعالم من حوله، فيصبح الفرد مسوِّقًا لقيم وطنه، حاملًا رسالته ومبادئه، مستحضرًا لها في تعامله مع هذه المنصَّات، بما يمنحه القدرة على الاستفادة من الفرص التي تتيحها التقنيَّة دون أن يفقد ارتباطه بقيمه ومبادئه وهُويَّته الوطنيَّة. وبالتالي، حوكمة السلوك التقني وإعادة تهذيبه وضبطه بحيث يوازن بين الانفتاح على العالم والمحافظة على خصوصيَّة المُجتمع وثوابته وقيمه الأصيلة. لذلك، تعدَّت المواطنة الرقميَّة الحقوق والواجبات إلى صناعة الأثر الناتج والاستحقاق المرتبط بها، أي بقدرة الفرد على ممارسة دوره الوطني في الفضاءات الرقميَّة، والتفاعل الواعي مع معطياتها، والإسهام في بناء الوعي الجمعي وصون الثوابت الوطنيَّة في ظل عالم يتسم بالتغيُّر والتنافسيَّة والانفتاح.
إن دور المواطنة الرقميَّة في تشكيل مستقبل الوعي الجمعي ذاته، ناتج عن أن الفضاء الرقمي أصبح اليوم أحد أهم المؤثرات في تشكيل القناعات وبناء الاتجاهات وصناعة المواقف، ذلك أن الكثير من الأفكار التي كانت تنتقل سابقًا عبر المؤسَّسات وتحتاج إلى مزيد من الوقت والجهد لنشرها، وتتم عبر أشخاص معروفين؛ أصبحت اليوم تنتشر عبر المنصَّات الرقميَّة بسرعة غير مسبوقة ومن حسابات مختلفة قد يكون بعضها وهميَّة، الأمر الذي يجعل من هذه المنصَّات بيئة مؤثرة في تشكيل الرأي العام، وصياغة التصورات الذهنيَّة، وبناء المواقف الفرديَّة والجماعيَّة تجاه مختلف القضايا الوطنيَّة والإنسانيَّة، لذلك تأتي أهميَّة المواطنة الرقميَّة باعتبارها إطارًا وطنيًّا موجّهًا لضبط هذا الحراك المعرفي والفكري، بالتشريعات والقوانين النافذة، فلا تتحول حريَّة التعبير إلى فوضى كلاميَّة توجّه للمساس بالسيادة الوطنيَّة وخصوصيَّة المُجتمع وقيمه وثوابته، ولا يتحول الانفتاح والحريَّة إلى فقدان للهُويَّة وانصهار للثوابت، ولا تصبح التقنيَّة أداة لإضعاف الانتماء أو التشكيك في الثوابت.
ومن هنا تبرز أهميَّة المواطنة الرقميَّة في قدرتها على بناء وعي جمعي أكثر نضجًا واتزانًا، يقوم على المعرفة الصحيحة، واحترام الرأي الآخر، وترقية منصَّات الحوار، وبناء وجهات نظر قائمة على استشعار المصداقيَّة والموضوعيَّة والمهنيَّة بعيدًا عن الشائعات، والتعامل المسؤول مع المعلومات. لذلك، نعتقد بأن المنصَّات الاجتماعيَّة فرصة في قياس الوعي الجمعي، وإعادة إنتاجه في واقع الممارسة اليوميَّة، فالمُجتمعات التي تمتلك وعيًا رقميًّا متقدمًا تكون أكثر قدرة على مواجهة حملات التضليل والشائعات والمحتويات الموجّهة التي تستهدف استقرارها أو تسعى إلى زعزعة ثقة أفرادها بمؤسَّساتهم ومنجزاتهم الوطنيَّة. كما أن هذا الوعي يسهم في تعزيز حسِّ المشاركة المُجتمعيَّة، ويمنح الأفراد القدرة على الإسهام الإيجابي في معالجة القضايا العامة وإيجاد الحلول المناسبة للتحدِّيات القائمة والظواهر السلبيَّة، وبالتالي بقاء خيوط التفاعل ممتدة، ومعايير الالتقاء متصلة، مبادرًا في اكتشاف ما تحمله التقنيَّة من رصيد إيجابي، وموجِّهًا بوصلتها لصالح عالمه، فيتعامل مع محتواها بوعي، وينتقي خطابه باحترافيَّة في ظل شواهد إثبات ومحطَّات مراجعة وآليَّات عمل تضمن لها القَبول والاعتراف، كما تعكس تصرفاته وردود أفعاله وتغريداته في هذه المنصَّات توافقًا أصيلًا مع منظومة القيم والأخلاقيَّات والموجّهات الوطنيَّة التي أصَّلها النظام الأساسي للدولة ومنظومة التشريعات والقوانين، ملتزمًا المهنيَّة في أساليب الحوار وآليَّات النقاش والتخاطب والنقد والردود على وجهات النظر، في إطار من الذَّوق والرُّقي والاحترام والتقدير والشعور الجمعي المتزن.
على أن الحديث عن المواطنة الرقميَّة يفرض اليوم أهميَّة وجود سياسات وطنيَّة وتشريعات واضحة تنظم الممارسة الرقميَّة وتحمي الحقوق وتحدد المسؤوليَّات، عبر بناء شراكة فاعلة بين المؤسَّسات الحكوميَّة ومؤسَّسات المُجتمع المَدني والقطاع الخاص والمؤسَّسات التعليميَّة والإعلاميَّة، بما يضمن تكامل الأدوار وتوحيد الجهود نحو إنتاج بيئة رقميَّة داعمة للوعي والانتماء والإبداع. كما يتطلب تعزيز الاقتصاد الرقمي والاستثمار في المبادرات الاقتصاديَّة والترويجيَّة التي تعزز حضور الشباب في الفضاء الرقمي بصورة إيجابيَّة، وتعزيز الاهتمام بالصناعات الثقافيَّة والمبادرات الشبابيَّة، وتناول القضايا التي تعزز من فرص التعريف بسلطنة عُمان في المجالات السياحيَّة والتراثيَّة وغيرها، وتشجعهم على إنتاج محتوى يعبِّر عن هُويَّتهم الوطنيَّة، ويسهم في التعريف بمنجزات الوطن، ويعكس قيمه الحضاريَّة والإنسانيَّة. فكلما اتسعت مساحات التأثير الرقمي ازدادت الحاجة إلى أُطر تنظيميَّة تضمن الاستخدام المسؤول للتقنيَّة، وتحافظ على التوازن بين حريَّة التعبير ومتطلبات الأمن والاستقرار المُجتمعي. كما أن وجود ميثاق أخلاقي يحكم الممارسة الرقميَّة أصبح ضرورة تفرضها طبيعة المرحلة، بما يضمن احترام الخصوصيَّة وصون الكرامة الإنسانيَّة وتعزيز ثقافة المسؤوليَّة والالتزام. ومن جانب آخر، فإن التحولات المتوقعة في مجالات الذكاء الاصطناعي والتقنيَّات الناشئة سوف تضع المواطنة الرقميَّة أمام آفاق جديدة وتحدِّيات أكثر تعقيدًا، في ظل ما تمتلكه من قدرة متزايدة على التأثير في صناعة القرار وتوجيه السلوك وبناء التوجُّهات، الأمر الذي يجعل من بناء الإنسان الواعي والمحصَّن فكريًّا وأخلاقيًّا أولويَّة وطنيَّة واستراتيجيَّة.
إن تنامي التأثير المتزايد للمنصَّات الرقميَّة في تشكيل الاتجاهات الفكريَّة والسلوكيَّة لدى الشباب، باعتبارهم الفئة الأكثر حضورًا وتفاعلًا مع هذه المنصَّات، خصوصًا في الجوانب الاستهلاكيَّة والتقليد واكتساب بعض الأفكار غير المنضبطة، يجعل من المواطنة الرقميَّة مدخلًا أساسيًّا لتوجيه هذا الحضور نحو مسارات أكثر إيجابيَّة وإنتاجيَّة. ومن هنا تبرز الحاجة إلى بناء ثقافة رقميَّة واعية لدى الشباب تمكنهم من التمييز بين المحتوى الهادف والمحتوى المضلل، وبين النقد المسؤول والإساءة، وبين حريَّة التعبير ومخالفة القوانين أو الإضرار بالمصالح العامَّة، وبالتالي سد فراغ الضوابط الحاصل في المنصَّات الرقميَّة، وإعادة تقييم مسار حضور الحريَّة المسؤولة بما يلقي على عاتق منظومات الدولة ومؤسَّساتها التعليميَّة والأمنيَّة والتشريعيَّة والاجتماعيَّة والقضائيَّة والرقميَّة والإعلاميَّة مسؤوليَّة البحث عن إطار مشترك يضمن تكامل الرسائل الخطابيَّة والتوعويَّة الموجَّهة لمختلف شرائح المُجتمع، بما يسهم في رفع درجة الجاهزيَّة في التعامل مع الفضاء الرقمي بكفاءة ومسؤوليَّة، وبناء محتوى هادف يعزز الانتماء الوطني، ويرسِّخ قيم المسؤوليَّة والاحترام، ويبرز القدوات والمواهب والنماذج الوطنيَّة الملهمة، ويواجه في الوقت ذاته المحتويات السلبيَّة التي تستهدف تشويه الهُويَّة والقيم أو تسهم في نشر الفوضى الفكريَّة والاجتماعيَّة.
أخيرًا، فإن استشراف دور المواطنة الرقميَّة في تشكيل الوعي الجمعي وصون الثوابت يحمل في طيَّاته الكثير من المفاجآت التي يجب أن تمتلك المؤسَّسات لها الجاهزيَّة، ونجاحنا في التوظيف الأمثل لها مرهون بقدرتنا على بناء منظومة متكاملة تجمع بين التعليم والإعلام والتشريع والتوعية المُجتمعيَّة، وتوافر بيئة رقميَّة آمنة ومحفزة على الإبداع والمشاركة والابتكار. وعندما يدرك الفرد أن حضوره الرقمي استمرار لمسؤوليَّته الوطنيَّة، وأن ما يكتبه أو ينشره أو يتداوله عبر المنصَّات الرقميَّة يُمثِّل صورة لوطنه وقيمه وهُويَّته، فإن المواطنة الرقميَّة تتحول إلى سلوك أصيل وممارسة واعية تسهم في بناء مُجتمع أكثر تماسكًا وقدرة على مواجهة التحدِّيات واستشراف المستقبل.
د.رجب بن علي العويسي