الاثنين 15 يونيو 2026 م - 29 ذو الحجة 1447 هـ
أخبار عاجلة

العنف الأسري.. والأطفال!

العنف الأسري.. والأطفال!
الاثنين - 15 يونيو 2026 10:52 ص

د. يوسف بن علي الملَّا

10

رُبَّما نعي جميعنا ـ أفرادًا ومُجتمعاتٍ ـ ما هو العنف الأسري؟ وكيف أنه بحق مُشْكلة اجتماعيَّة أو قانونيَّة. لكن ـ من وجهة نظري الشخصيَّة ـ أرى أنه ـ في المقام الأول ـ مُشْكلة طبيَّة. ولْنقُل إن تلك الكدمات قد تلتئم، لكن ما يبقى ـ أحيانًا لعقود ـ هو الأثر الذي يتركه على الدماغ وآليَّة استجابة الجسم للضغط النفسي. بل إن الأبحاث الحديثة خرجت بإحصاءات تؤكد ما كنَّا نشك فيه منذ زمن، ألا وهو أن الإساءة لا تنتهي بانتهاء العلاقة إن كنَّا نتحدث عن الزوجين!

ولكن الأهم من ذلك تلك المشاهد التي تبقى عالقة في ذهن أي فرد منَّا، ونحن نلاحظ طفلًا صغيرًا يجلس في غرفة الانتظار في أي مؤسَّسة ـ على سبيل المثال ـ هادئًا بشكل غير طبيعي، أو طفلًا آخر يقفز عند أي صوت مرتفع كأنه يتوقع شيئًا على وشك الحدوث. في كثير من هذه الحالات، لا تكون الشكوى التي يأتي بها الأهل، عند سؤالهم، عن عنف في المنزل، بل عن مشكلات في النوم، أو تبول لا إرادي متكرر بعد أن كان الطفل قد تجاوز هذه المرحلة منذ سنوات، أو صعوبات تركيز مفاجئة في المدرسة لطفل لم يكن يعاني منها أصلًا. ومع مرور الوقت، وبعد عدة جلسات، نكتشف أن هذا الطفل يعيش في بيت يشهد عنفًا بين والديه، أو يتعرض هو نفسه لإساءة لم يخبر بها أحدًا من قبل؛ لأنه ببساطة لم يكن يعرف أن ما يحدث ليس طبيعيًّا... وهنا المصيبة!

وحقيقة هذا الجانب من العنف الأسري يجب إدراكه من قبل الوالدين، وبالأصح أثره على الأطفال وعلى علاقتهم بوالديهم، خصوصًا أن هذا الأثر لا يظهر بشكل فوري، ورُبَّما قد يستغرق سنوات ليتشكل بوضوح، وقد يستمر لعقود بعد أن يكون الطفل قد كبر ـ وللأسف ـ وأصبح بالغًا له أُسرته الخاصة. والافتراض الشائع بأن الطفل الذي يشاهد الشجار بين والديه فقط، دون أن يُضرَب هو نفسه، يكون أقل تأثرًا، هو افتراض لا يصمد أمام ما بيَّنته الدراسات. فالتعرض المتكرر لمشاهد العنف، حتى دون أن يكون الطفل هو المستهدف، يُصنَّف ضمن ما نعرفه بالتجارب السلبيَّة في مرحلة الطفولة، وهي عامل خطر مثبت لمشكلات صحيَّة ونفسيَّة متعددة قد تستمر إلى مرحلة البلوغ، بدءًا من القلق والاكتئاب، وصولًا إلى مشكلات صحيَّة جسديَّة مزمنة في مراحل متأخرة من العمر.

وهنا يأتي السؤال الذي يطرحه كثير من الأهل: كيف يمكن لشيء لم يحدث للطفل مباشرة أن يترك أثرًا بهذا العمق؟

وقد تكون الإجابة، كما وضحتها إحدى المراجعات الطبيَّة في ٢٠٢٥م، حيث أفادت بأن الأطفال المعرَّضين لهذه البيئة يعانون من ضيق نفسي مباشر يظهر في مرحلة الطفولة نفسها، إلى جانب اضطرابات طويلة المدى تمتد لتشمل الأداء الدراسي والاستقرار الاجتماعي والاقتصادي في المستقبل. ما أقصده هنا أن ذلك الأثر لا يبقى محصورًا في كيف يشعر الطفل اليوم، بل يمتد إلى نوع الفرص التعليميَّة والمهنيَّة التي ستكون متاحة له بعد عشرين سنة، وهو ما يجعل من الصعب التعامل مع هذه القضيَّة كحدث ينتهي بانتهاء الموقف نفسه.

ومن هنا ننتقل إلى مُشْكلة أجزم أنها أيضًا أعمق، ألا وهي العلاقة بين الطفل وكلٍّ من والديه! بلا شك، فالطفل الذي يعيش في بيئة عنف تنشأ لديه علاقة معقدة مع الوالد المعتدي ـ مثلًا ـ تتراوح بين الخوف الشديد والرغبة في إرضائه تجنبًا للعقاب، وفي بعض الحالات يتطور لديه ما يُشبه التماهي مع سلوك العنف نفسه، كنوع من آليَّات التكيُّف، سواء أكانت الأُم أم الأب. وفي الوقت ذاته، قد تتأثر علاقته بالوالد الضحيَّة أيضًا، ليس لأن هذا الوالد يقصر في حق طفله، بل لأنه هو نفسه منهك نفسيًّا، وقد يعاني من اكتئاب، وهو أمر شائع كما تشير الأبحاث، وهذا الإنهاك ينعكس ـ دون قصد ـ على قدرته على التواصل العاطفي والاستجابة لحاجات طفله بالطريقة التي كان يفعلها قبل دخول العنف إلى حياة الأسرة.

لذلك من أصعب الأمور التي يواجهها المختصون في هذا السياق ملاحظة أن بعض الأطفال الذين نشأوا في بيوت يسودها العنف يصبحون ـ فيما بعد ـ أكثر عرضة لتكرار النموذج نفسه في حياتهم الخاصة، سواء كضحايا أم كأشخاص يكررون سلوك العنف في علاقاتهم المستقبليَّة. وهذا لا يعني حقيقة أن القدر محتوم ـ إن صحَّ لي القول ـ أو أن النتيجة حتميَّة لكل طفل، بل يعني أن الطفل تعلم، دون أن يقصد ودون أن يعي ذلك في كثير من الأحيان، أن العنف هو إحدى الطرق الطبيعيَّة للتعبير عن الغضب أو لحل النزاعات داخل العلاقات القريبة؛ لأنه لم يرَ نموذجًا آخر. ولهذا، فإن التدخل المبكر مع الأطفال ليس فقط لعلاج الأثر الحالي على نومهم أو سلوكهم أو دراستهم، بل لكسر هذه الدائرة قبل أن تنتقل إلى الجيل القادم!

وعليه، أرى أن أول خطوة عمليَّة هنا لحفظ هؤلاء الأطفال هي عدم الانتظار حتى يصرح الطفل بشكل مباشر بما يحدث في المنزل؛ لأن الأطفال، في كثير من الأحيان، لا يملكون الكلمات أو القدرة على فهم أن ما يعيشونه ليس طبيعيًّا، بل هو الواقع الوحيد الذي يعرفونه. يجب بحق الانتباه إلى التغيُّرات السلوكيَّة مثل الانسحاب الاجتماعي المفاجئ، أو العدوانيَّة غير المعتادة، أو التراجع الدراسي. بل أعتقد أنه يجب أن يكون ذلك جزءًا من التقييم الروتيني عند زيارات طب الأطفال ـ على سبيل المثال ـ لا أن يُترك حتى تتصاعد الأمور.

ختامًا، العلاقة بين الأطفال وآبائهم هي أساس نموهم النفسي والعاطفي. لذلك، فإن التدخل المبكر والانتباه إلى علامات الضيق عند الأطفال، حتى قبل أن يعبِّروا عنها بالكلام، هي خطوات يمكن أن تغيِّر مسار حياة كاملة، خصوصًا إذا أردنا ألَّا نرى ذلك الطفل شاهدًا صامتًا على ما يحدث بين والديه!

د. يوسف بن علي الملَّا

طبيب ـ مبتكر وكاتب طبي

[email protected]