الاثنين 15 يونيو 2026 م - 29 ذو الحجة 1447 هـ
أخبار عاجلة

الذهب والنفط والتضخم والدولار.. علاقات تاريخية ملتبسة

الذهب والنفط والتضخم والدولار.. علاقات تاريخية ملتبسة
الاثنين - 15 يونيو 2026 10:49 ص
10

ظلَّ الذهب ـ منذ اكتشافه في العصر الحجري ـ أهم مصدر للثروة والسُّلطة، ومكوِّنًا أساسيًّا للحضارات والثقافات حول العالم. وبينما استخدمه قدماء المصريين معدنًا مقدسًا داخل المقابر الفرعونيَّة، كان البابليون أول مَن استخدمه أداةً للتبادل التجاري، ومنه صك الصينيون العملات النقديَّة. ومع تطور الزمن، أصبح مخزنًا للثروة ووسيلة تتحوط بها الحكومات والأفراد لعوامل التضخم والتقلبات السياسيَّة. وقد شهدت أسعار الذهب في الفترة الأخيرة تقلبات غير مسبوقة، بعدما تجاوز سعر الأونصة (5600) دولار في يناير الماضي، ليفقد (20%) من سعره حاليًّا، الأمر الذي يعكس حالة عدم الاستقرار غير المسبوقة في الأسواق.

وهناك علاقة قويَّة بين سعر الذهب والدولار الأميركي؛ فكلما ضعف الدولار زادت جاذبيَّة الذهب، وكلما زاد التضخم وقلت الفائدة على الدولار اندفع المستثمرون لشراء الذهب للتحوط به كملاذ آمن.

وظل الاعتقاد سائدًا بأن العلاقة بين النفط والذهب علاقة منطقيَّة؛ فارتفاع أسعار النفط يحدث زيادة في أسعار الذهب، وعلى النقيض فإن العلاقة بين الذهب والدولار علاقة عكسيَّة.

 فعندما ترتفع أسعار الذهب تتجه قيمة الدولار إلى الانخفاض، والعكس صحيح. ومرجع ذلك إلى أن ضعف الدولار يؤدي إلى زيادة التضخم، ويحفز المستثمرين على التحول إلى شراء الذهب باعتباره ملاذًا آمنًا وأصلًا قويًّا، كما أن قيمته ترتفع خلال الفترات التي تزداد فيها أسعار النفط، التي يرافقها زيادة القدرة الشرائيَّة، خصوصًا في الدول المنتجة للنفط.

مؤخرًا اختلت هذه المعادلة، فتراجع سعر الذهب رغم ارتفاع أسعار النفط لتلامس المائة دولار، مع ظروف جيوسياسيَّة مضطربة. ويعود السبب إلى تغيير البنوك المركزيَّة سلوكيَّاتها تجاه الذهب؛ فهناك دول منتجة للذهب مثل غانا لجأت إلى مخزونها من المعدن النفيس لتشتري احتياجاتها من النفط الذي تضاعفت أسعاره. كما لجأ كثير من الدول التي لديها احتياطيات ضخمة من الذهب، كونتها عقب اندلاع الأزمة الروسيَّة الأوكرانيَّة بهدف تنويع الاحتياطيَّات وتقليل الاعتماد على الدولار واليورو، إلى بيع أو رهن جزء من هذه الاحتياطيَّات لتأمين السيولة اللازمة لشراء النفط الذي ارتفعت فاتورته، ولحماية عملتها من التآكل. ورُبَّما هذا يفسر سبب الانخفاض الذي تشهده أسعار الذهب حاليًّا، رغم توافر الأسباب التي تدفعه للارتفاع، وتشير التقديرات إلى أن كثيرًا من الدول المستوردة للطاقة قد تلجأ إلى الخطوة نفسها، باستخدام جزء من احتياطيَّات الذهب، إذا استمرت أسعار النفط والغاز عند مستوياتها الحاليَّة.

يبدو أن البنوك المركزيَّة حول العالم غيَّرت استراتيجيَّاتها القديمة؛ فالذهب لم يَعُد يُدار فقط كاحتياطي طويل الأجل، بل أصبح أداة مرنة ضمن أدوات السياسة النقديَّة يمكن استخدامها عند الحاجة، دون تغيير جذري في الاستراتيجيَّة الأساسيَّة. فرغم التراجعات الأخيرة في سعره، لا يزال الذهب يحتفظ ببريقه ودوره كإحدى أهم أدوات التحوط في وقت الأزمات، وخصوصًا على المدى الطويل، ولكن تبقى تحركات أسعار الفائدة العالميَّة ومعدلات التضخم وأسعار النفط العاملَ الأكثر تأثيرًا في تحديد اتجاه سعر الذهب على المدى القصير.

بالنسبة للأفراد وصغار المستثمرين، ما زال الذهب يحتفظ بمكانته كملاذ آمن ومخزن للقيمة، ولكن يجب عليهم الصبر وعدم التسرع، وأن يكونوا حذرين، وينوعون استثماراتهم، وعدم الاعتماد على الذهب فقط، كما عليهم التكيُّف مع المتغيِّرات التي طرأت على الأسواق، حتى يحافظوا على مدخراتهم من التآكل، ويواجهون موجات التضخم التي تزداد في ظل التوترات وعدم اليقين الذي يسود الأسواق العالميَّة.

محمد عبد الصادق

[email protected]

كاتب صحفي مصري