السبت 13 يونيو 2026 م - 27 ذو الحجة 1447 هـ
أخبار عاجلة

شذرات : «النوستاليجا».. سفر عبر مروج الذكريات

شذرات : «النوستاليجا».. سفر عبر مروج الذكريات
السبت - 13 يونيو 2026 10:18 ص

علي بن جميل النعماني

20

تمرُّ على كلٍّ منا لحظات نتذكر فيها الماضي وذكرياته الجميلة، قد تكون في جلسة أسرية حانية يسترجع فيها أفراد الأسرة أيام طفولتهم والأحداث والمواقف الطريفة الراسخة في لبِّ الذاكرة، وكم تذكرنا مع أصدقاء الطفولة والمدرسة من مواقف ترسم في الذات بسمات لطيفة تضفي شعور بالارتياح والمتعة الذهنية، ولما لهذه الذكرى من تأثير نفسي لحظي أو مستمر للفرد باعتبارها صوتا يطرق القلب وصورة ترتسم في حنايا النفس، يطلق على هذه الحالة «النوستالجيا» وتعتمد على الذاكرة الانتقالية فعادة نحن لا نتذكر الأحداث كما حدث فعليًّا، بل يقوم الدماغ بتصفيتها من الألم والملل، لتبقى تلك الذاكرة التي تحمل المشاعر الدافئة، ولهذا تهفو النفس إلى أيام الطفولة والدراسة حتى وإن كانت مليئة بالضغوط الكثيرة.

«النوستالجيا» هي الحنين الذي ينتابنا إلى الماضي الجميل الذي عشناه بكل تفاصيله، وما زال راسخًا ومتجذّرًا فينا حتى مراحل العمر المتقدمة، ربما نركّز هنا على دور النوستالجيا في التشافي واستثمار الذكرى في الشعور بتقدير الذات بشكل أو بآخر، فبعض علماء النفس يرون فيها كمورد عقلي يعزز الصحة النفسية للفرد، باعتبارها جسرًا يربط بين الحاضر المؤلم وبين الماضي الجميل في أغلب الأحوال. وقد حُددت في هذا الشأن عدة جوانب يمكن استغلالها في رسم صورة إيجابية من حالة التذكر الحانية المريحة للنفس؛ فاسترجاع الصور القديمة أو الروائح المألوفة تُعد تقنية لتقليل القلق والتوتر ورفع هرمونات السعادة، كما تساهم في تعزيز الانتماء والروابط الأسرية في أحيانا كثيرة من خلال الجلسات أو التواصل الرقمي، كما أظهرت بعض الدراسات كالتي أُجريت في جامعة ساوثمبتون البريطانية بأن الدماغ يلجأ إلى «النوستالجيا» تلقائيًّا كآلية دفاعية عندما يشعر الشخص بالوحدة أو الغربة، وربما هذا يعزز بالشعور بالدعم الاجتماعي والألفة الذاتية بتذكر مواقف أشخاص مقربين له قد وقفوا معه في مِحنة معينة على سبيل المثال. كما بينت أبحاث الأكاديمية الصينية للعلوم (2022)، في دراسة حديثة ومبتكرة نُشرت في مجلة Journal of Neuroscience، واستخدم فيها الباحثون الرنين المغناطيسي الوظيفي لمراقبة نشاط الدماغ، إن عرض صور من الماضي الجميل على المشاركين ساهم في تخفيف شعورهم بالألم الجسدي، كما أوضحت دراسة في مجلة «Emotion» أن «النوستالجيا» ترتبط بالدفء العضوي والنفسي. لم تعد «النوستالجيا» تذكر عابر قد يمرُّ سريعًا كالبكاء على أطلال مضت، بل تعد نافذة نفتحها عندما يزيد ويشتد هجير الحاضر، ونسمات أمان لطيفة وأداة تشافي فطرية سخرها الله لنا لنستعيد معها الهدوء النفسي وتريح أروحنا المنهكة بمآسي الحاضر.

[email protected]

علي بن جميل النعماني