الأحد 14 يونيو 2026 م - 28 ذو الحجة 1447 هـ
أخبار عاجلة

من «الجزائر» إلى «تونس».. مدن وحضارات وشواهد يزهو بها التاريخ «٦ـ١١»

من «الجزائر» إلى «تونس».. مدن وحضارات وشواهد يزهو بها التاريخ «٦ـ١١»
السبت - 13 يونيو 2026 10:19 ص

سعود بن علي الحارثي

10

سادسًا: غرداية، الحياة كما كانت قبل ألف عام.

تجيب «رشا حميدي»، المرشدة البارعة وصاحبة المكتب السياحي، على سؤال طرحته عليها، بأن السياحة، خصوصًا في أشهر فبراير ومارس وأبريل نشطة، حيث يعتدل الطقس ويهب النسيم العليل وتخضر الأرض وتنضج بعض ثمار الفواكه في الأرياف، وتتحول الطبيعة إلى جذب سياحي مزدهر. وتتحدث المؤشرات بأن البريطانيين هم الأكثر عددًا من بين السيَّاح القادمين إلى البلاد، وبعدهم الأوروبيون والصينيون... المكتبات في الجزائر ليست فقط للتثقيف ونشر العِلم والمعرفة وخدمة عشَّاق القراءة والباحثين، ولكنها تتعدى ذلك إلى توثيق واحدة من أعظم المراحل التاريخيَّة للبلاد حلكةً وسوادًا ووحشيَّة، ونضالًا وبطولات وإرادة إنسانيَّة قلَّ نظيرها، في سبيل الحُريَّة وحُب الوطن والدفاع عن حياضه... لذلك تأتي كتب النضال وبطولات التحرير وسِيَر الشهداء وتاريخ جهادهم الأعلى طلبًا وقراءة... أخذنا بالطيران الداخلي من مطار «بومدين» إلى غرداية حوالي الساعة والنصف، سلمنا رجال الأمن جوازاتنا، بناء على طلبهم، فأخذوها إلى غرفة مستقلة، وكلما فتح باب الغرفة نراها مرميَّة على طاولة الموظف، ونحن في حالة من الإرهاق والإعياء، والانتظار الطويل الذي يرفع الضغط ويراكم الإحباط والشعور بالإهانة، ولا نعلم سبب هذا الأسلوب؟ ويأتي بعد أيَّام من دخولنا الأول للجزائر العاصمة، الذي خضعت فيه حقائبنا للتفتيش الدقيق وفحصت جوازاتنا، فما الداعي لهذه المعاملة التي تتكرر حتى داخل الولايات؟ فيما نتنقل في أوروبا من بلد إلى آخر بكل حُريَّة دون أن تطلب جوازاتنا أو تفتش حقائبنا؟ فيا لهذه المفارقة العجيبة؟ تمتلك ولاية غرداية إرثًا تاريخيًّا وثقافيًّا واجتماعيًّا لا يزال بعمارته وتقاليد الحياة داخل المُجتمع قائمًا حتى اليوم، ومَن يأخذ جولة في قصورها «بنورة، مليكة، بني يزفن، غرداية، بريان، والقرارة»، ويصلي في مساجدها التي بنيت قبل ألف عام، يعيش الحياة بطبيعتها وثقافتها وأساليبها القديمة مثلما كانت عليه قبل مئات السنين، تجربة غنيَّة وأيَّام مليئة بالمفاجآت يعيشها السائح وهو يزور غرداية التي لا تزال مرتبطة ومتمسكة بتقاليد الحياة المتوارثة، والتكافل والاعتماد على المُجتمع المحلِّي في الإدارة والنفقات على مدارس القرآن والمساجد والخصوصيَّة في الزواج وإحياء المناسبات الدينيَّة والاحتفاء بها. تضمَّن برنامجنا السياحي زيارة صومعة المسجد الكبير «العتيق» بقصر «بنورة»، الذي بُني في أواخر القرن العاشر الميلادي على يد السَّيد «عداش صالح بن موسى بريان»، وصمِّم على غرار مساجد بلدات وادي ميزاب التي تخلو من النقوش والزخارف المعماريَّة الباذخة. ويُعَدُّ المسجد الكبير أول مبنى شيِّد مع تأسيس القصر، سنة 1048م. وبالإضافة إلى قاعتين للصلاة، بُنيت عدَّة هياكل حول المسجد ولا سِيَّما «المحضرات» الواقعة في الجهة الشماليَّة وهي أماكن مخصصة لتدريس القرآن الكريم، وإدارة وتسيير نظام المراقبة والدفاع عن القصر، وللمسجد مئذنتان، الأولى هي الأكثر قدمًا والأصغر حجمًا، حيث لا يتجاوز ارتفاعها ستة أمتار، ولم يبقَ منها اليوم غير الجزء العلوي، حيث إن قاعدته أُعيد تهيئتها لإقامة ممرٍّ إثر عمليَّات توسعة المسجد. أما المئذنة الثانيَّة، فقد تم بناؤها في القرن الـ(16) في عصر الشيخ عمي سعيد، وهي على شكل هرمي يبلغ ارتفاعها حوالي (23) مترًا من مستوى الأرض، تشهد مختلف الفضاءات المكوّنة للمسجد حركة دؤوبة، حتى خارج أوقات الصلاة، وقد أدَّينا صلاة المغرب والعشاء جمعًا مع المصلين فيه. يُذكر أن القصر يقصد به «الحارة السكنيَّة» المغلقة، التي هندست بيوتها على شكل صف من الحجرات والمنازل الصغيرة المتقابلة تفصلها أزقة وطرقات ضيقة متعرجة ومتشابكة تجعل الغريب عن الحارة يتوه لا يستطيع الخروج من المكان الأشبه بالمتاهة، أو غابة البيوت، وتحمي القصر أسوار وبوابات ولكل حارة سوقها الخاص، وتوفر الآبار العميقة المياه للسكان، وتستقبل السيَّاح عند البوابة الرئيسة لوحة إرشادات، تذكرهم بأن التصوير واصطحاب الكلاب واللبس غير المحتشم ممنوع داخل القصر الذي خصص له مرشد سياحي من بين المقيمين فيه... قادنا مرشدنا في «بنورة»، كذلك، لزيارة مقام الولي الصالح «عمي دحمان»، الذي هاجر من «جربة» تونس، إلى وادي ميزاب في القرن الخامس عشر الميلادي، وكانت له مكانة علميَّة ودرجة عالية من القداسة عند أهل غرداية... وفي قصر «بن يزفن» أطلعنا مرشدها السياحي على تصميم المنازل والهدف من كل انعراجه في الزقاق وفتحة في البيت وتقليد يمارس حتى اليوم، ومستوى ارتفاع البيوت، يرتبط بالأمن والدفاع عن القصر ومراقبة الغرباء والحفاظ على الخصوصيَّات الأسريَّة، وأطلعنا على الأبراج والأسوار والبوابات التي تؤمن المكان من دخول الأعداء والغرباء. وفي هذا الحشد من الأزقة والبيوت الصغيرة المتلاصقة والدرج والمساجد، مررنا على مكتبتي الشيخ بلحاح وهو من العلماء الكبار في القرن العاشر الهجري، ومكتبة الشيخ القطب المتوفَّى عام ١٩١٤م، ومسجد بني يزفن العتيق الذي أتم بناءه في بداية القرن الثامن الهجري، الرابع عشر الميلادي، ويبلغ عمره حاليًّا سبعة قرون، وشهد عدَّة توسيعات على مراحل تاريخيَّة متدرجة. ويُعَدُّ قصر «العطف» أقدم قصور غرداية، تأسَّس في عام ٢٩٦ هجريَّة، بعد سقوط الدولة الرستميَّة، عندما شرع الإباضيَّة، بتأسيس أول مدينة لهم، أسَّسها خليفة بن أبغور، في شمال الصحراء الجزائريَّة، وذلك «لضرورات أمنيَّة»، وتُعَدُّ المدينة اليوم أحد أهم مراكز المذهب الإباضي، كما يوجد بها ثلاث مكتبات رئيسة تحتوي على مخطوطات عالية القيمة، وهي مكتبة مسجد أبي سالم (دار إروان) ومكتبة البكري ومكتبة النهضة... ويُشكِّل حشد الأزقة المتشابكة التي تصل بعضها ببعض، ومئات المنازل المتراصة، التي أقيمت في هضبات جبليَّة، طبقة إثر طبقة تربط بسلالم من الأسفل إلى الأعلى والعكس، والمساجد ذات المعماري الإسلامي التقليدي القديم، ثروة تاريخيَّة وثقافيَّة وسياحيَّة عالية القيمة، ويُعَد مصلى سيدي ابراهيم من أهم معالمها الدينيَّة والتاريخيَّة، بُني في القرن الخامس عشر الميلادي وضُم إلى التراث العالمي لليونسكو. فيما يتكئ نظام السَّقي وتقاسيم المياه، في «الغابات»، على تقاليد متوارثة منذ مئات السنين تعتمد على المبادرات والشراكة المحليَّة. يذكر أن «الغابة» في مفهوم أهل غرداية تعني «القرية» أو منطقة البساتين، أو الريف، وهي خارج الحارة السكنيَّة، ويعتمد السقي على آبار ارتوازيَّة لا تجف رغم شُح المطر والجفاف اللذين تعاني منهما المنطقة... «يتبع».

سعود بن علي الحارثي

[email protected]