الأحد 14 يونيو 2026 م - 28 ذو الحجة 1447 هـ
أخبار عاجلة

في العمق : هل سلبت موضة البحث عن الشهرة فـي المنصات الرقمية دور الأم فـي الاحتواء والتربية؟

في العمق : هل سلبت موضة البحث عن الشهرة فـي المنصات الرقمية دور الأم فـي الاحتواء والتربية؟
السبت - 13 يونيو 2026 10:17 ص

د.رجب بن علي العويسي

10

تعيش الأسرة اليوم تحديًا جديدًا لم يَعُدْ مرتبطًا ـ كما كان يُعتقد في السابق ـ بخروج المرأة إلى سوق العمل أو انشغالها بالوظيفة؛ فهذا الأمر يمكن القول بأنه تمت معالجته إلى حدٍّ كبير، حيث أدركت سلطنة عُمان أهميَّة تحقيق هذا التوازن بين مسؤوليَّات المرأة الأسريَّة والتزاماتها المهنيَّة، انطلاقًا من المسؤوليَّة المشتركة بين المرأة والرجل في تحقيق التنمية، وأن إسهام المرأة لم يَعُدْ حالة وقتيَّة، بل شريكًا أساسًا مع الرجل في صناعة المستقبل. لذلك جاء قانون العمل الصادر بالمرسوم السُّلطاني رقم (53/2023) حاملًا معه الكثير من الفرص المعززة لهذا التوجُّه الوطني والمؤطِّرة له، وفق لُغة تشريعيَّة وتنظيميَّة ومؤسَّسيَّة ضابطة، معززة بجملة من الضمانات والمعالجات التي تؤصِّل حضور الأُم في حياة الأبناء، حيث جاء في المادة (10) منه: (٩٨) ثمانية وتسعون يومًا إجازة وضع للعاملة لتغطية فترة ما قبل وبعد الولادة. ويكون منح العاملة الإجازة لتغطية فترة ما قبل الولادة بتوصية من الجهة الطبيَّة المختصة، على ألَّا تتجاوز مدَّتها (١٤) أربعة عشر يومًا، وتُمنح باقي مدَّة هذه الإجازة من تاريخ الولادة. ويُشترط لمنح الإجازات المنصوص عليها في هذه المادة تقديم ما يثبت ذلك. وجاء في نظام الحماية الاجتماعيَّة بأن إجازات الأمومة برنامج تأمين اجتماعي يغطي فترات الولادة للأُمَّهات العاملات أثناء فترة الحمل وبعد الولادة، ويضمن لهن الوقت الكافي للراحة ورعاية المولود. كما يمنح برنامج التأمين إجازة أُبوَّة للسماح للأب بدعم الأسرة في هذه المرحلة المهمة.

لقد جاء هذا القانون ليؤكد أن الوظيفة لم تَعُدْ عائقًا أمام ممارسة المرأة لدورها الأمومي، وأن البيئة القانونيَّة في سلطنة عُمان أوجدت من الحلول ما يتيح للأُم العاملة الجمع بين نجاحها المهني ورسالتها الأسريَّة. وعليه، فإن تحميل العمل أو الوظيفة مسؤوليَّة غياب الأُم عن أبنائها لم يَعُدْ مقنعًا في ظل هذه المكتسبات والتسهيلات؛ فإن المنطلق من هذا الأمر هو ما تتيحه إجازة الأمومة من فرص أفضل لضمان مزيدٍ من الاستحقاقات والمحفزات التي تساعد الأُم العاملة على الاستمرار في العمل، ورفع درجة الدافعيَّة لديها في العطاء المستمر والإنتاجيَّة. وإجازة الأمومة في توقيتها تُمثِّل نموذجًا عمليًّا لإنتاجيَّة التحول، وميزة تنافسيَّة للجميع، وفرصة للاستقرار الأسري وتعظيم دور الأُم في رعاية طفلها واحتضانه، وهو ما سينعكس إيجابًا على إنتاجيَّتها وأدائها في العمل بعد انتهاء إجازة الأمومة؛ حيث تُقبل إلى عملها وهي في غاية الفرح والإيجابيَّة، ويصبح قلقها على طفلها الرضيع أقل بكثير ممَّا لو كانت الإجازة كما هو في القانون السابق، وبالإمكان التعاطي مع الطفل ورعايته بعد مرور (98) يومًا أو أكثر في المنزل، أو كذلك من خلال حاضنات الأطفال. ولم يَعُد التحجج بالدوام والعمل والانشغال بالوظيفة مانعًا للمرأة العاملة من أن تحافظ على دورها الأمومي ومسؤوليَّتها في بناء أُسرتها، ناهيك عن أن إجازة الأبوَّة عززت من هذه الصورة الإيجابيَّة، وأعطت مساحة أكبر للمسؤوليَّة المشتركة والعمل معًا في بناء أسرة سعيدة وتعظيم رعاية الأطفال واحتوائهم، والتقليل من تدخل عاملات المنازل في أن يتعدى دورهن ومهامهن إلى دور الأُم البديلة.

غير أن ما بات يفصح عنه واقعنا الاجتماعي والأسري المعايش من مفارقات وممارسات تبرز حجم القلق الماثل والخطر القادم أمام أجيال المستقبل، يضع الجميع أمام مراجعة حقيقيَّة لمستوى الاستفادة من هذه الفرص، وإعادة إنتاجها في واقع الأسرة. ولعلَّ الخطر يكمن عندما تمارس عاملة المنزل دور «أُم» مشغولة بترتيب أوضاعها الشخصيَّة ومشاريعها وأفكارها، عبر انتقال جزء من هذا الغياب عن الأبناء ـ الذي تمَّت معالجته ـ إلى مسار آخر يتمثل في الفضاءات الرقميَّة ومنصَّات التواصل الاجتماعي، بعيدًا عن أولويَّة الوقوف على عين المسؤوليَّة التي خُلقت الأُم من أجلها، وترانيم الطفولة التي سهرت في حملها، فأغلقت عنهم ينابيع الحنان، وأسدلت على حوارهم ونموهم العاطفي الستار، ليجدوا في عاملة المنزل (الأُم البديلة) احتواءً لهم وارتواءً يعوضهم هذا الفقد، وبالتالي ما ارتبط بذلك من هوس الشهرة و»الترند» وصناعة المحتوى والتسويق الإلكتروني والترويج للمنتجات والعروض التجاريَّة. ذلك أن الوقت الذي كان من المفترض أن يُوجَّه للرعاية والتربية والاحتضان العاطفي للأبناء بات يُستهلك في متابعة المنصَّات الرقميَّة، والتفاعل مع المتابعين، والبحث عن مزيد من الانتشار والإعجاب والمشاهدة.

من هنا لم تَعُدِ المُشْكلة في عدد الساعات التي تقضيها الأُم في بيئة العمل، بل في عدد الساعات التي تستنزفها المنصَّات الرقميَّة وتستهلكها من وقتها واهتمامها ووجدانها، وهي داخل منزلها وبين أبنائها، في غياب شِبه كلِّي للحضور التربوي والعاطفي والحوار والاحتواء. ذلك أن الحضور الجسدي وحده لا يكفي عندما تغيب هذه الأولويَّات، وتضيع هذه العلاقة الحميميَّة التي تتشكل خلالها هُويَّة الطفولة وقناعاتها وأفكارها، وتنمو المصطلحات والمفاهيم الحياتيَّة التي تتعامل بها مع الواقع وتتعايش خلالها مع المواقف، في حين أصبحت الأولويَّة لتصوير المشاهد والحديث عن التفاصيل اليوميَّة، أو إعداد المواد الترويجيَّة، أو متابعة الحملات الإعلانيَّة والتجاريَّة، على حساب الحوار مع الأبناء والإنصات إليهم ومشاركتهم اهتماماتهم واحتياجاتهم النفسيَّة والاجتماعيَّة؛ ليجد الأبناء أنفسهم باحثين عمن يملؤ حاجتهم إلى الاحتواء والحنان، عندها تتقدم عاملة المنزل ـ بحكم قُربها وملازمتها اليوميَّة ـ لتسدَّ هذا النقص، وتُعيد ترتيب الأوضاع، وتتحول تدريجيًّا من دور عاملة المنزل إلى «أُم بديلة» تمارس أدوارًا تتجاوز حدود عملها.

عليه، فإن خطورة الأمر تكمن فيما قد يترتب عليه من إعادة تشكيل الوعي العاطفي والقيمي للطفل وفق مرجعيَّات وثقافات وقناعات قد تختلف عن ثقافة الأسرة وهويَّتها وقيمها، فإن اتساع الفجوة العاطفيَّة بين الأُم وأبنائها سوف يضعف جسور الثقة والتواصل، ويحوِّل العلاقة الأسريَّة إلى مجرد أوامر ونواهٍ وصراخ وفرض لُغة الواقع، وتوجيهات مجردة خالية من دفء الأمومة واحتضانها. ولعلَّ ما يزيد من خطورة هذا التوجُّه عندما تتحول حسابات البعض إلى مساحة للظهور غير المنضبط سعيًا وراء الشهرة أو تحقيق المكاسب الوقتيَّة، بما قد يصاحب ذلك من استعراض للحياة الخاصة أو تقديم نماذج سلوكيَّة لا تنسجم مع قيم المُجتمع وأخلاقه، فالأبناء يتابعون ويشاهدون ويختزنون هذه الصور في ذاكرتهم، الأمر الذي قد ينعكس على تشكيل شخصيَّاتهم وقناعاتهم ومستقبلهم القيمي والسلوكي. لتتولد لديها في قادم الوقت صورة قاتمة مصطنعة متكلفة غير واقعيَّة قائمة على الكذب والخداع والتضليل لتنعكس هذه الصورة على حياتهم في مخاطر التشويه الفكري والأخلاقي، والتمييع والانكفاء إلى الذَّات، ونزوع نحو الاستهلاكيَّة المفرطة في جيل غير قادر على بناء ذاته، مستهلك لكل شيء ينتظر مَن يخدمه، إذ لا تتعدى أولويَّاته مساحيق التجميل و»البوتكس» وغيرها من لوازم الظهور المتكلف والمتصنع للشخصيَّة، جيل يواجه نقمة الحياة والعيش بسبب ما تتركه الأُمَّهات فيه من سوء التربية وغياب الرجولة والنزول به إلى دركات الرداءة في الفكر والتفكير والحوار والمحتوى واللباس والسلوك وفي تعامله الأبوي وغيرها ممَّا بات يظهر وللأسف الشديد في واقع بعض الأسر والمُجتمعات. ولنتصور ردَّة فعل ناشئة المستقبل التي تربت على هذا النوع من السلوك والخروج عن الضوابط التي تمارسها من تقوم على رعايته، أو كيف ستكون ردَّة فعلهم بعد أن قوي عودهم واتسعت صداقاتهم واختلطوا بغيرهم، أن يتصور مشهد أُمِّه بهذه الصورة التي وثَّقتها التقنيَّة، هنا ينبغي للمرأة الماجدة أن تلتقط الأنفاس وتفكر مليًّا في الصورة التي يعكسها هذا المشهد، أمام ناظري أبنائها وفلذات أكبادها حيث انعدمت الخصوصيَّة وذهب ماء الحياء.

أخيرًا، بين أُم في شهادة الميلاد وعاملة منزل في دور الأُم البديلة، يبقى الرهان الحقيقي اليوم على وعي الأسرة (الأُم الحقيقيَّة) وإدراكها أن مستقبل الطفولة لا يتحدد بما يُقدَّم للأبناء من كماليَّات ومقتنيات، وإنما بما يُغرس في نفوسهم من حُب واحتواء وأمان وتربية، وحضور وجداني متواصل يُشكِّل أساسًا لأمان نفسي وعاطفي مستدام. وكلما كانت الأُم الحقيقيَّة حاضرة في حياة أبنائها: احتواءً، وتربية، وتعليمًا، وتوجيهًا، وتمكينًا، ورعاية، قوي الترابط الأسري، وتراجع تلقائيًّا دور الأُم البديلة، وتأصلت قيم الانتماء والاستقرار والتوازن داخل الأسرة، وحُفظ للأمومة هيبتها وموقعها وخصوصيَّتها ورسالتها السَّامية.

د.رجب بن علي العويسي

[email protected]