نيويورك ـ العُمانية:أطلقت سلطنة عُمان في مقر الأمم المتحدة بنيويورك، "خطة مسقط" للقيادات الدينية التقليدية والشعوب الأصلية في مواجهة خطاب الكراهية والوقاية من الإبادة الجماعية والفظائع الجماعية والتحريض عليها من خلال الوساطة من أجل السلام.
وشهد الحفل تحت رعاية معالي أنطونيو جوتيريش الأمين العام للأمم المتحدة، مشاركة رفيعة المستوى، تمثلت في تحالف الأمم المتحدة للحضارات، ومكتب الأمم المتحدة المعني بمنع الإبادة الجماعية ومسؤولية الحماية، وممثلين عن الدول الأعضاء والمنظمات الدولية، وشبكة صناع السلام الدينيين والتقليديين، إلى جانب القيادات التقليدية والشعوب الأصلية وشركاء الأمم المتحدة العاملين في مجالات الوقاية من النزاعات وبناء السلام.
وأكد معالي الدكتور محمد بن سعيد المعمري، وزير الأوقاف والشؤون الدينية، في كلمة ألقاها خلال الحفل، أن "خطة مسقط" تجسد ما أكده حضرة صاحب الجلالة السُّلطان هيثم بن طارق المعظّم ـ حفظه الله ورعاه ـ بأن رسالة عُمان للسلام تقوم على البناء والتقارب وترسيخ التفاهم بين الشعوب.
وأضاف معاليه أن "خطة مسقط" تنطلق من حقيقة أن التنوع الإنساني مصدر إثراء لا سبب صراع، وأن التحدي الحقيقي يكمن في إدارة الاختلاف وبناء مساحات للتعاون والاحترام المتبادل، فهي لا تدعو إلى إلغاء الخصوصيات والهويات، بل إلى تعزيز القيم المشتركة التي تحفظ كرامة الإنسان وتدعم الخير العام.
وأشار معاليه إلى أن العالم يواجه اليوم تحديات متشابكة، من الفقر والأزمات البيئية إلى خطاب الكراهية وتراجع الثقة بين المجتمعات، الأمر الذي يجعل السلام والتنمية مسؤولية مشتركة تتطلب التعاون والحوار وبناء الثقة.
وبيّن معاليه أن الخطة تؤكد أن القيم المشتركة ليست شعارات أخلاقية، بل أساس الاستقرار والتنمية المستدامة، كما تؤمن بأن الأديان والتقاليد الثقافية تمثل مصادر مهمة لتعزيز التفاهم والتضامن الإنساني، وأن للقادة الدينيين والتقليديين دورًا مؤثرًا في نشر ثقافة الحوار والسلام.
ولفت معاليه إلى أن التحدي الذي نواجهه اليوم ليس تعدد الهويات والثقافات، بل تراجع القدرة على فهم الآخر وتوسيع مساحات التعاون المشترك، ومن هنا تأتي رسالة "خطة مسقط": الاستثمار فيما يجمع الإنسانية، وتعزيز الثقة، وبناء شراكات تقوم على الاحترام والمسؤولية والمصلحة المشتركة.
وأكد معاليه أن السلام الحقيقي يبنى بالثقة لا بالخوف، وبالمشاركة لا بالإقصاء، وبالاستفادة من التنوع لا بمواجهته، وانطلاقًا من تجربة عُمان ونهجها في التعايش والحوار، تمثل "خطة مسقط" دعوة عالمية للانتقال من إدارة الخلافات إلى بناء الشراكات، ومن التنافس الضيق إلى التعاون من أجل مستقبل أكثر أمنًا وعدالة وازدهارًا.
وأعرب معالي الدكتور وزير الأوقاف والشؤون الدينية عن شكره وتقديره للأمم المتحدة، ولمعالي الأمين العام، ومكتب تحالف الأمم المتحدة للحضارات، ومكتب الأمم المتحدة المعني بمنع الإبادة، وشبكة صناع السلام، وجميع الشركاء الدوليين والإقليميين الذين أسهموا في إعداد "خطة مسقط"، مؤكدًا أن هذه الخطة ثمرة حوار واسع وعمل مشترك وإيمان راسخ بأن القيم الإنسانية المشتركة قادرة على تعزيز السلام والتنمية.
من جانبه قال معالي أنطونيو جوتيريش، الأمين العام للأمم المتحدة في كلمته، إن خطاب الكراهية بات يشكل "خطرًا جسيمًا ومتزايدًا" يهدد السلم والأمن الدوليين، مؤكدًا أنه يفرق بين المجتمعات، ويجرد جماعات بشرية من إنسانيتها، ويمهد الطريق لإراقة الدماء وارتكاب الجرائم الفظيعة.
وأضاف أن خطاب الكراهية "فعل متعمد وعنصر أساسي لا تكاد تخلو منه مخططات أي جريمة من جرائم الإبادة الجماعية والجرائم الفظيعة"، داعيًا إلى كسر هذه الحلقة من خلال التثقيف، ودعم الفئات المستهدفة، وتعزيز الإجراءات الحكومية، وإلزام شركات التكنولوجيا باتخاذ تدابير أكثر صرامة للحد من انتشار الكراهية والتحريض على العنف.
وأشاد الأمين العام بسلطنة عُمان والجهات الشريكة التي قادت إعداد "خطة مسقط"، معتبرًا أن القادة التقليديين وقادة الشعوب الأصلية "شركاء أساسيون في السعي إلى تحقيق السلم والأمن"، ومؤكدًا أن العالم يشهد اليوم نزاعات مستعرة، وتزايدًا في أوجه اللامساواة، وفوضى مناخية متفاقمة، في وقت ينتشر فيه خطاب الكراهية "بسرعة غير مسبوقة"، تغذيها المنصات الرقمية غير الخاضعة للتنظيم، ويزيد من حدتها الذكاء الاصطناعي.
وأوضح أن الخطة تستند إلى معارف وخبرات متراكمة لدى هذه القيادات، وتؤكد أن خطاب الكراهية يُعد، في الوقت ذاته، مؤشرًا مبكرًا على العنف ومحفزًا لتصاعده، مشددًا على التزام الأمم المتحدة بتعزيز دور هذه القيادات في منع النزاعات وتسويتها.
وتمثل الخطة إطار عمل دوليًّا يهدف إلى تعزيز دور القيادات الدينية التقليدية والشعوب الأصلية في مواجهة خطاب الكراهية، والحد من مسببات العنف القائم على الهوية، وتعزيز التماسك المجتمعي، والوقاية من الإبادة الجماعية والفظائع الجماعية من خلال الوساطة والحوار وبناء السلام.