الخميس 11 يونيو 2026 م - 25 ذو الحجة 1447 هـ
أخبار عاجلة

علام يتنافسون؟!

علام يتنافسون؟!
الأربعاء - 10 يونيو 2026 10:22 ص

د.أحمد مصطفى أحمد

10

أصاب الذعرُ المتعاملين في أسواق الأسهم مطلع الأسبوع عندما فُتحت المؤشرات على هبوط، متتبعةً خُطى التراجع الشديد في بورصة كوريا الجنوبيَّة نهاية الأسبوع المنصرم. وكانت أسهم شركات التكنولوجيا في قلب ذلك الهبوط، ما جعل البعض يتصور أن «عمليَّة تصحيح» قد بدأت إثر المغالاة الهائلة في قيمة تلك الشركات في العامين الأخيرين. وربما لا تكون تلك بداية انفجار فقاعة الذكاء الاصطناعي التي يحذر منها كثيرون في الأشهر الماضية. لكن جرس الإنذار جعل كثيرين يعيدون التفكير في مخاطر ذلك القطاع الصاعد بسرعة صاروخيَّة في عالم المال والأعمال. ويظل كل ذلك في إطار أسواق المال والمتعاملين فيها، إنما المخاطر الأوسع نطاقًا لا تلقى حتى الآن الانتباه الكافي من جانب العالم. فالتصور ـ حسب حركة الأسواق ـ أن شركات التكنولوجيا الكبرى التي لا يتجاوز عددها أصابعَ اليد الواحدة إلَّا قليلًا، تتنافس بقوة في مجال الذكاء الاصطناعي لزيادة قيمتها السوقيَّة، وتوفير الاستثمارات الملياريَّة لتطوير برامج وتطبيقات أكثر تقدمًا.

إنما الواقع أن تلك الشركات الكبرى محدودة العدد لا تتنافس في أسواق الأسهم فحسب، إنما التنافس هو على ما هو أكبر وأخطر، وما يؤثر في مستقبل البشريَّة كلها على كوكب الأرض. ومع التريليونات التي تُستثمر في الذكاء الاصطناعي، لا يمكن أن يكون تنافس تلك الشركات على تطوير «نمطٍ استهلاكيٍّ» جديد يحققون من خلاله عائدات وأرباحًا. فلا يُتصور أن تلك الشركات تستهدف قيمة اشتراكات الناس في تطبيقات مثل تشات «جي بي تي» أو «جيمناي» أو «ديب سيك»، ولا حتى ما تجمعه من معلومات وبيانات عن مليارات البشر لتستخدمها في التسويق والإعلانات. فلا يمكن لأي دخلٍ من اشتراكات أو إعلانات أن يعوض حتى قدرًا ضئيلًا من الإنفاق الرأسمالي الهائل على الذكاء الاصطناعي. إنما التنافس هو على أن تتبنى الأعمال والشركات في كل قطاعات الاقتصاد برامج الذكاء الاصطناعي كبديل عن البشر العاملين فيها. وحتى عائدات تلك التعاقدات ليست هي الهدف؛ فمهما كان حجمها، لن تدر دخلًا أو أرباحًا للشركات ومساهميها. تخيل، مثلًا، أن شركة مثل مايكروسوفت تستثمر مئات المليارات في تطوير برامج ذكاء اصطناعي، ولا يزيد حجم تعاقداتها على تقديم خدماته لشركات كبيرة على بضع مليارات؛ تلك خسارة فادحة بالفعل.

ماذا يعني تَبنِّي الشركات والأعمال وكافة النشاطات الاقتصاديَّة لبرامج الذكاء الاصطناعي؟ يعني ـ ببساطة ـ أنه في غضون ما بين عامين وعشرة أعوام ـ كما يتوقع خبراء التكنولوجيا ـ سيكون كل شيء تقريبًا يحتاج إلى العمل الذهني البشري يُدار ببرامج الذكاء الاصطناعي. ذلك هو ما تستثمر فيه تلك الشركات التكنولوجيَّة الكبرى، وهي واثقة من الوصول إليه، أو على الأقل هذا ما تُقنع به مستثمريها الذين يضخون فيها التريليونات. بل إن أصحاب الشركات ومديريها في مختلف القطاعات لا يجدون أمامهم خيارًا سوى تَبنِّي برامج الذكاء الاصطناعي. فهم لا يريدون أن يكونوا «متخلفين» عن التطور ويفقدوا وضعهم في البورصة، ولا يريدون أيضًا أن يفشلوا في زيادة العائدات والأرباح لمساهميهم. رغم أن كبار التنفيذيين في شركات مختلف القطاعات الاقتصاديَّة يدركون أنهم، بسياساتهم تلك، سيمكن الاستغناء عنهم في المستقبل، وفقدانهم رواتبهم الكبيرة وامتيازاتهم الأخرى؛ إذ سينتهي الأمر بأن يقوم الذكاء الاصطناعي المتطور بمهامهم بكلفة أقل على المدى الطويل، ودون أي مشكلات تتعلق بسلوك البشر ومتطلباتهم.

حين يصل تطوير الذكاء الاصطناعي إلى تلك المرحلة الشاملة، وهو ما لم يَعُدْ خيالًا علميًّا، بل تطورًا حقيقيًّا واقعيًّا، ستكون هناك من سبع إلى عشر شركات في العالم تتحكم في الاقتصاد العالمي كله، أي في عشرات تريليونات الدولارات. وذلك هو السبيل لكي تؤتي التريليونات التي تُستثمر حاليًّا في الذكاء الاصطناعي مردودًا يفوق ما توقعه المستثمرون. والمُشْكلة أن هذا التركيز لثروة العالم ونشاطه في أيدي حفنة من الشركات وأصحابها بثرواتهم التريليونيَّة يؤدي إلى تبعاتٍ يصعب تصورها. وليس فقط أن مئات الملايين من البشر سيصبحون عاطلين بلا عملٍ، وبالتالي بلا دخلٍ، وإنما أيضًا أن عددًا محدودًا جدًّا من الشركات والأشخاص سيتحكمون في العالم بكل نشاطه وقدراته. هنا تنتهي كل القيم والمعايير والنُّظم والقواعد التي عرفتها البشريَّة في كافة نواحي حياتها: سياسيًّا واجتماعيًّا وثقافيًّا، وليس فقط اقتصاديًّا وماليًّا. ذلك هو ما يدفع بعض القوى، خافتة الصوت، من أقصى اليسار وأقصى اليمين في العالم، لتطالب بضرورة «تأميم» الذكاء الاصطناعي؛ أي أن تصبح ملكيَّة تلك الشركات التي تطوره وتقوم عليه ملكيَّة عامة، وليست محصورة في أقل من دستةٍ من الأثرياء ومموّليهم الكبار.

المُشْكلة أكبر من قوانين ولوائح تنظِّم الذكاء الاصطناعي، أو خلافات حول الأبعاد الأخلاقيَّة والحقوقيَّة لتطوير تلك البرامج. فذلك أمرٌ تجاوزته التطورات الآن، وأصبح السؤال، ببساطةٍ: ماذا سيفعل العالم أمام سيطرة بضع شركات وأفراد على العالم بالكامل؟ تلك ليست مبالغةً أو تهويلًا، بل هي حقيقة وهدف لأصحاب شركات التكنولوجيا الكبرى لا يدارونه ولا يجملونه بصياغات مغرية. وكل الحديث عن فوائد «متقاطرة» تعود على البشريَّة ليس إلَّا وهمًا وحيلةً تسويقيَّة فقط. فلنربط الأحزمة، ولنستعد للهبوط الحُر السريع.

د.أحمد مصطفى أحمد

كاتب صحفي مصري

[email protected]