لقد ذكر الله أماكن في المدينة المنوة وأماكن حولها، ومن تلك الأماكن، بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعلى العموم فلقد ذكر الله تعالى بيت رسول الله صلى الله علية وسلم سواء كان بيته الذي هو جزء من مكة على رأي بعض المفسرين، أو هو جزء من المدينة على رأي آخر، قال تعالى «كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكَارِهُونَ» الأنفال: ٥، قال البغوي «تقديره: واذكر إذ أخرجك ربك. والمراد بهذا الإخراج هو إخراجه من مكة إلى المدينة. والأكثرون على أن المراد منه إخراجه من بيته بالمدينة إلى بدر، أي: كما أمرك ربك بالوحي بالخروج من بيتك بالحق لطلب المشركين، وإن فريقا من المؤمنين، منهم، لكارهون» انظر: تفسير البغوي (2/ 269). ويقول الزمخشري: معنى «مِنْ بَيْتِكَ» يريد بيته بالمدينة، أو المدينة نفسها، لأنها مهاجره ومسكنه». انظر «الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل (2/ 197)». وذكر مثله النسفي في «مدارك التنزيل وحقائق التأويل (1/ 631)». وقال الثعالبي «وقوله: من بيتك يريد من «المدينة» أي «يثرب» قاله الجمهور». انظر «الجواهر الحسان في تفسير القرآن (3/ 115)».
مسجد رسول الله
ذهب فريق كبير من المفسرين إلى أن الله تعالى ذكر مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم وقرن تأسيسه بالتقوى، لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ التوبة: ١٠٨، وقد اختلف أهل التأويل في المسجد الذي عناه بقوله: «لمسجد أسس على التقوى من أول يوم» فقال بعضهم: هو مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي فيه منبره وقبره اليوم، عن عثمان بن عبيد الله قال: أرسلني محمد بن أبي هريرة إلى ابن عمر، أسأله عن المسجد الذي أسس على التقوى، أيّ مسجد هو؟ مسجد المدينة، أو مسجد قباء؟ قال: لا مسجد المدينة، وعن ابن عمر، وزيد بن ثابت، وأبي سعيد قالوا: المسجد الذي أسس على التقوى، مسجد الرسول» انظر جامع البيان للطبري (14/ 476)». وفي «مختصر صحيح مسلم للمنذري (2/ 439) «إن سياقها وسبب نزولها يدلان على أن المسجد إنما هو مسجد قباء الذي كان يصلي فيه الأنصار، وفي ذلك أحاديث خرجت بعضها في «صحيح أبي داود» (رقم 34). ولا مانع أيضا أن يكون هو مسجد رسول الله أيضا، وقد مضى في الحديث (791) أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن المسجد الذي أسس على التقوى فأجاب بأنه مسجده الذي في المدينة. فبين صلى الله عليه وسلم أن آية التوبة شمل مسجده أيضاً لكونه كمسجد قباء في أنه أسس على التقوى».
أقطار المدينة
لقد ذكر الحق سبحانه أقطار المدينة المنورة في قوله وَلَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِمْ مِنْ أَقْطَارِهَا ثُمَّ سُئِلُوا الْفِتْنَةَ لَآتَوْهَا وَمَا تَلَبَّثُوا بِهَا إِلَّا يَسِيرًا الأحزاب: ١٤، يقول صاحب (الأساس في التفسير) (8/ 4401)«وَلَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِمْ» أي ولو دخل الأعداء عليهم المدينة «مِنْ أَقْطارِها» أي جوانبها. أي ولو دخلت هذه العساكر المتحزّبة التي يفرون خوفا منها مدينتهم أو بيوتهم من نواحيها كلها، وانثالت على أهاليهم وأولادهم ناهبين سابين «ثُمَّ سُئِلُوا» عند ذلك «الْفِتْنَةَ» أي الردّة والرجعة إلى الكفر ومقاتلة المسلمين «لَآتَوْها» أي لأعطوها «وَما تَلَبَّثُوا بِها» بإجابتها «إِلَّا يَسِيراً». ويقول صاحب «فتوح الغيب في الكشف عن قناع الريب (حاشية الطيبي على الكشاف) (12/ 394)»(وَلَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِمْ) المدينة. وقيل: بيوتهم، من قولك: دخلت على فلان داره. (مِنْ أَقْطارِها): من جوانب المدينة». وجاء في (المختصر في تفسير القرآن الكريم) (1/ 419) «ولو دخل العدوّ عليهم المدينة من جميع نواحيها، وسألهم العودة إلى الكفر والشرك بالله لأعطوا عدوّهم ذلك». وورد في (التفسير الوسيط - مجمع البحوث) (8/ 159) «ولو دخل الأَعداءُ المدينة أو البيوت من جوانبها على هؤُلاء المعتذرين عن القتال بخلل بيوتهم، ثم سأَلهم هؤُلاء الأَعداءُ الحرب في صفوفهم ضد محمَّد وأَصحابه لأَعطوها». وللحديث بقية.
محمود عدلي الشريف