الاثنين 08 يونيو 2026 م - 22 ذو الحجة 1447 هـ
أخبار عاجلة

ثمانمئة مليون... مرضوا من وجبة!

ثمانمئة مليون... مرضوا من وجبة!
الاثنين - 08 يونيو 2026 10:07 ص

د. يوسف بن علي الملَّا

10

في أيَّامنا هذه، يقضي معظم الناس صباحهم دون أيِّ اكتراث بالقيمة الغذائية وصحَّتهم! فيعدُّون القهوة، ويجهزون وجبات غداء أطفالهم، ويتناولون وجبةً سريعة قبل العمل. فلا أحدَ مثلًا يفكر، وهو على مائدة إفطاره أو غدائه، ببكتيريا السالمونيلا ـ على سبيل المثال ـ، بل لا أحدَ يراجع في ذهنه إجراءات التبريد عند دهن الخبز بالزبدة... وهنا تظهر المشاكل! لذلك ندرك جميعًا بأن الأمراض التي نخشاها كثيرًا أصلًا نادرًا ما تكون هي التي تودي بحياة أكبر عددٍ من الناس. صحيح ربما نخشى الأمراض الخطيرة، تلك التي تحمل أسماءً توحي بالشر. أمَّا الأمراض المنقولة بالغذاء فتمرُّ مرور الكرام؛ لأنها تختبئ في أكثر طقوس الحياة البشريَّة بساطةً، ألا وهو تناول الطعام. طبعًا، كبشر، نتناول ثلاث مرات يوميًّا، في الاحتفالات وأوقات الحزن، وفي مكان ما بين المطبخ والمائدة، ملايين المرَّات سنويًّا... فتخيَّل معي: يحدُث خطأ ما بصمتٍ، ولكنه فجأة يصبح القاتل لذلك الفرد!

ففي عام ٢٠٢١، وحسب منظمة الصحة العالميَّة، تسبَّب الغذاء غير الآمن في أكثر من ثمانمئة مليون حالة مرضيَّة، ومليون ونصف مليون حالة وفاة، وهذا ـ في الحقيقة ـ ما أصابني بالذهول عند قراءته؛ لأنه يضع الأمراض المنقولة بالغذاء في مصافِّ أمراض أخرى كالسلِّ والإيدز والملاريا من حيث المعاناة الإنسانيَّة الكبيرة. وبالتالي، فهذا الرقم: ثمانمئة وستة وستون مليون نسمة. أعود هنا مرارًا أكرره؛ لأنني لا أعتقد أن معظم الناس قد استوعبوه، بمَن فيهم نحن العاملون في المجال الطبي. ولِكَيْ أكونَ واضحًا، هذه ليست إحصائيَّة من منطقة حرب أو مجاعة، بل هي الخسائر اليوميَّة العاديَّة الناجمة عن تخزين الطعام في درجة حرارة غير مناسبة، أو تحضيره على سطح ملوَّث، أو تقديمه بأيدٍ غير مغسولة!

من ناحية أخرى، يُصاب الأطفال الأقلُّ عمرًا من خمس سنوات بأمراض بسبب الطعام بمعدَّل يزيد على مرَّتين ونصف المرَّة عن بقيَّة الناس، بل ويموت مئة وخمسة وعشرون ألف طفل دون سن الخامسة كل عام بسبب تناول طعام ملوَّث. فهل لنا أن نتأمل هذا الرقم لحظةً، ونقاوم الميل البشري لتجاهله؟ فأطفال كانوا جائعين، وقام شخص يحبهم بإعداد وجبة لهم، وكانت الوجبة ملوَّثة، ولم يَعْلم أحدٌ بذلك، فمات الطفل! في معظم هذه الحالات، اتبع الوالدان جميع الإجراءات الصحيحة وفقًا للمعايير المتاحة. فبدا الطعام طبيعيًّا، ولم يكُنْ هناك ما يحذرهم. طبعًا، هذا ليس فشلًا في التربية، بل هو فشل في نظام الأكل وإعداده، وفي التخزين البارد، حتى في تطبيق القوانين.

من ناحية أخرى ـ وفي أيَّامنا هذه ـ أدركنا أن هنالك ترابطًا للإمدادات الغذائيَّة العالميَّة. فمثلًا، قد تحتوي سَلطة في سلطنة عُمان على خسٍّ مزروع أصلًا في مصر، وربما مغسول في المغرب، ومعبَّأ في فرنسا، ومنقول عبر سلاسل تبريد مختلفة قبل أن تصل إلى رفوف البيت عندنا أو إلى أقرب بقالة. وبالتالي، عندما يعمل هذا النظام ـ وهو يعمل في أغلب الأحيان ـ يُعَدُّ إنجازًا استثنائيًّا، ولكن عندما يفشل، فإن الفشل لا يقتصر على نطاقٍ محلِّي؛ فالأوبئة تنتقل، والتلوث يتسع نطاقه.

بطبيعة الحال، الحلول ليست بانتظار مَن يكتشفها، بل هي موجودة. فغسل اليدين جيدًا، وطهي الطعام على درجات حرارة آمنة، وحفظ الطعام البارد باردًا والساخن ساخنًا، واستخدام الماء النظيف لغسل الخضراوات والفواكه؛ بلا شك، هذه ليست اكتشافات تتطلب تمويلًا، بل هي عادات حقيقية أثبتت فعاليَّتها، لكنها ببساطة لا تصل إلى كل مَن يحتاجها.

وهذا دليل حقيقي على أن موضوع سلامة الغذاء لا يحظى بالاهتمام مقارنةً بالأمراض. نحن نتحدث عن الإقلاع عن التدخين، والرياضة، وضغط الدم، والكوليسترول، ونادرًا ما نجلس وجهًا لوجهٍ مع المريض ونجري معه حوارًا حول كيفيَّة تخزينه للطعام، وإذا كانت ثلاجته باردة بما يكفي، وما إذا كان يدرك أن عبارتي: «يُفضَّل استهلاكه قبل» و«يُستخدم قبل» تعنيان شيئين مختلفين. وعليه، فالمريض الذي يعاني من مَرضٍ معويٍّ غامض، والمرأة الحامل المصابة بالحمَّى، والرجُل المُسن الذي أصيب بالتعب المفاجئ بعد وليمة شواء ـ مشويٍّ ـ؛ غالبًا ما تكون هذه حالات مَرض منقول بالغذاء، لكننا نتجاهلها في معظم الأوقات!

ختامًا، الغذاء الآمن ليس ترفًا، بل هو حقٌّ أساس من حقوق الإنسان، لا يقلُّ أهميَّة عن الماء النظيف والهواء النَّقي. وكل وجبة نتناولها أو يتناولها أبناؤنا، ولا ندري أهي صحيَّة أم لا؟ هو جهل بخطرٍ كان بالإمكان تجنُّبه، بل وربما إخفاق نتحمل مسؤوليَّته جميعًا.

د. يوسف بن علي الملَّا

طبيب ـ مبتكر وكاتب طبي

[email protected]