تقع سلطنة عُمان ضمن جغرافيا تعاني شحًّا شديدًا في المياه، وتراجع معدلات سقوط الأمطار، وعدم توافر المياه السطحيَّة، وشبح استنفاد المياه الجوفيَّة، وتواضع نصيب الفرد من المياه العذبة. ولمواجهة هذا الواقع، اتخذت سلطنة عُمان ـ منذ بواكير نهضتها الحديثة ـ تدابير طموحة ومبتكرة لتأمين احتياجاتها المائيَّة، من خلال استغلال مواردها الماليَّة والبشريَّة لتطوير تكنولوجيا تحلية المياه؛ لتنخفض تكلفتها من (5) دولارات للمتر المكعب في ثمانينيَّات القرن الماضي إلى (40-50) سنتًا في الألفيَّة الجديدة، بجانب تقليل الهدر المائي باستخدام تقنيَّات إعادة التدوير والمعالجة الثنائيَّة والثلاثيَّة لمياه الصرف، وإعادة استخدامها في الزراعة والمجالات الصناعيَّة.
ومع تزايد النمو السكاني، والتوسُّع العمراني والصناعي، انخفضت مستويات المياه الجوفيَّة في كثير من المناطق، جرَّاء تفاوت معدلات هطول الأمطار بين منطقة وأخرى، بسبب تأثيرات التغيرات المناخيَّة، الأمر الذي يؤثر على استدامة الموارد المائيَّة. كما أن تكرار الأنواء المناخيَّة يلحق الضرر بالبنية الأساسيَّة، مع محدوديَّة الاستفادة من كميَّات المياه المصاحبة لتلك الأنواء بشكل فعَّال، نتيجة التبخر والتسريبات، ومحدوديَّة الاستفادة بها في الزراعة، في ظل استخدام طُرق ري تقليديَّة، وقلة استخدام تقنيَّات الري الحديثة. فما زالت (46%) من المساحات المزروعة تروى بالغمر، الذي يصاحبه هدر كبير من المياه، ويوجد مشاكل بيئيَّة.
اعتمدت وزارة الثروة الزراعيَّة والسمكيَّة وموارد المياه خطة طموحة للحفاظ على الموارد المائيَّة، وتنميتها والاستفادة القصوى منها، من خلال تدابير وإجراءات، تهدف إلى إدارة المياه (العرض) وتنظيم الطلب عليها، وتطبيق الإدارة المتكاملة وضبط الجودة، وتنسيق السياسات الحكوميَّة بما يضمن تحقيق التوازن بين الاستخدامات المائيَّة والموارد المتاحة، والاهتمام بمشاريع الحفر الاستكشافي للخزانات الجوفيَّة التي أسفرت عن اكتشاف مكامن جديدة للمياه الجوفيَّة في سائر المحافظات، بعد تحديد مواقع المياه، ودراسة خصائصها الهيدروجيولوجيَّة، لتحقيق الاستدامة المائيَّة، وتوفير قاعدة بيانات مائيَّة دقيقة تساعد على التخطيط السليم، لاستغلال الموارد المائيَّة وحمايتها من الاستنزاف والتلوث.
كما تركز الجهود الحكوميَّة على التقييم الكمي والنوعي للمياه الجوفيَّة، من خلال قياس إنتاجيَّة الآبار وقدرة الخزان الجوفي على الضخ الاختياري، ودراسة منحنيات الهبوط المائي لتحديد سرعة الاستجابة للسحب، وتحليل جودة المياه كيميائيًّا وبيولوجيًّا، لتحديد مدى ملاءمتها للاستخدامات المختلفة، سواء للشرب أو الزراعة أو الصناعة، وتحديد مناطق الوفرة المائيَّة، ومناطق الإجهاد، ورصد أيّ مؤشرات مبكرة لملوحة المياه أو تداخل مياه البحر بالمياه الجوفيَّة في المناطق الساحليَّة.
وتُعَدُّ سلطنة عُمان من أوائل الدول الخليجيَّة، التي استخدمت التقنيَّة الحديثة في نقل البيانات المائيَّة، والحصول على البيانات الهيدرولوجيَّة وقت حدوثها، بإنشاء محطات مراقبة في الجبال ذات التضاريس الوعرة التي يصعب الوصول إليها، وصل عددها (3480) محطَّة يتم من خلالها قياس معدلات هطول الأمطار، ومراقبة مستويات المياه الجوفيَّة في الآبار، وتدفقات الأفلاج والعيون المائيَّة والسدود، والرصد المناخي، منها (648) محطَّة تعمل بنظام المراقبة عن بُعد، الأمر الذي يوفِّر الكثير من الوقت والجهد، والمال.
كما سنَّت سلطنة عُمان حزمة من التشريعات والقوانين التي تنظم استخدام المياه الجوفيَّة، ووضعت شروطًا محددة لمنح التراخيص المائيَّة، سواء فيما يتعلق بالآبار أو الأنشطة المائيَّة الأخرى، فقد تم إصدار (33547) ترخيصًا وموافقة للآبار والأفلاج والسدود والكسارات والمحاجر، بلغ نصيب الآبار الجديدة منها (9047) ترخيصًا، تم دراستها، واستكمال إجراءاتها بواسطة نظام إلكتروني مصمم لذلك.
محمد عبد الصادق
كاتب صحفي مصري