الأحد 07 يونيو 2026 م - 21 ذو الحجة 1447 هـ
أخبار عاجلة

نبض المجتمع : المدن القديمة .. تفرد المكان

نبض المجتمع : المدن القديمة .. تفرد المكان
الأحد - 07 يونيو 2026 10:30 ص

د. خصيب بن عبدالله القريني

10

ما الذي يدفع الكثير من السيَّاح لزيارة المُدن التي بها قرى تاريخيَّة أكثر من غيرها؟ خصوصًا عند توافر بقيَّة العوامل التي تجعل من هذه المدينة وجهةً سياحيَّة، بمعنى وجود المقوِّمات الأساسيَّة، ولكن ما يميزها هو وجود مدينة قديمة متكاملة بصفة خاصة.

في اعتقادي الشخصي أن الكثير من السيَّاح لا يجد فرقًا كبيرًا بين ما يوجد في المُدن الحديثة؛ فهي تتشابه إلى حد بعيد، لدرجة يصعب معها إعطاؤها صفةً معيَّنة خاصة بها. فالمولات، وسنتر المدينة، والكوفيهات، والمطاعم، والملاهي، هي جوانب مشتركة بين المُدن العصريَّة مهما اختلف حجم تلك الجوانب والخدمات التي تقدمها، ولكنها تظل في الأساس لها قواسم مشتركة.

ولكن النظر إلى ما تحتويه المُدن ذات الطابع التقليدي يكشف فرقًا جوهريًّا في نمط المعيشة والأنشطة الاقتصاديَّة والاجتماعيَّة، ومدى قدرة ذلك الإنسان على التعامل مع البيئة التي عاشها، مع صعوبة تبادل المنتجات والأفكار بين مُدن العالم في تلك العصور؛ نظرًا لقلة مصادر نقل تلك المعرفة وندرتها وتأخرها. فزيارة هذه المُدن هي استرجاع حقيقي للتاريخ والجغرافيا والحضارة أيضًا، وهذا ما لمسته حقيقةً في زياراتي لكثير من الدول التي اهتمت بتحويل مُدنها التاريخيَّة إلى مزار سياحي، ودمج الأنشطة العصريَّة في هذه المُدن، بمعنى أن الساحات التي كانت محورًا لعرض المنتجات والسلع، وإقامة الاحتفالات استمرت في تقديم هذه الخدمات بدمج الماضي مع الحاضر، وباتت الأسواق التقليديَّة تعرض القديم والحديث ولكن في نمط وقالب لم يخرجا عن نطاق التراث التقليدي. لقد اهتمت بالمكان، وهنا لبُّ وجوهر القضيَّة، وطورت وحافظت على طابعه التقليدي، ولم تنجر وراء العصرنة، بل أوجدت لها مكانًا آخر لمن أراد أن يذهب لها، وتركت هذه المُدن كما هي مع العمل على صيانتها وتطويرها بما يتواكب مع عوامل الزمن التي مرت عليها، دون المساس بطبيعة البناء الذي كان سائدًا في تلك الفترات. بمعنى آخر، لم تعمل على تشويهها، فظلت مقصدًا للسيَّاح الذين يهمهم هذا النمط من السياحة، لدرجة أنك ترى الكثير منهم يفضل زيارة الأماكن القديمة في المدينة على زيارة الأماكن العصريَّة بها، وذلك للسبب الذي ذكرته، وهو عدم تميزها عن غيرها من مُدن العالم.

إن نظرةً سريعةً على أعداد السيَّاح الذين ينطلقون من مسقط إلى محافظة الداخليَّة، وتحديدًا مدينة نزوى، لهو مثال حي لما أردتُ أن أشير إليه في هذا المقال. فالاهتمام السياحي الذي ركز على إحياء المدينة القديمة في الولاية والاستفادة من النمط العمراني الذي يميزها، والمتمثل في كثرة الأزقة والشوارع الضيقة وما يتخلله من محالَ ومطاعم وكوفيهات تعرض منتجات الولاية التراثيَّة جنبًا إلى جنب مع المنتجات الحديثة، والمرور في تلك الشوارع الضيقة بين الأشجار الجميلة، هو ما يجذب الزوار بشكل أساس لزيارة المدينة دون غيرها. كما أن المبيت في نزل قديمة بنفس نمط مبيت أهل تلك الولاية قديمًا يعطي شعورًا لا يوصف، ولا يمكن تخيله إلَّا عندما تلتقي بمَن جرب هذا النمط وعاشه بعيدًا عن صخب المُدن العصريَّة، رغم أن التطور العمراني الحديث في الولاية ليس بمستوى ولايات أخرى أكثر عصرنة منها، ولكن ما يجذب السائح تميز المكان وتفرده، لا أن يأتي ليشاهد نسخًا مكررةً شاهدها في بلده بصورة قد تكون أكثر تقدمًا مما هو موجود معنا.

أتحسف داخليًّا ـ وأنا أزور مثل هذه المُدن ـ على القرارات التي تم اتخاذها سابقًا في إزالة الأسواق التقليديَّة التي كانت عبارةً عن المدينة القديمة لكثير من ولايات شمال الباطنة، والتي كانت تعج بالحركة الاقتصاديَّة، ليس على المستوى المحلي فقط بل الإقليمي أيضًا. فسوق صحم القديم لم يكن فقط مجرد سوق، بل كان مدينةً متكاملةً لا تقل عن تلك المُدن الموجودة في أسواق مراكش أو فاس في المملكة المغربيَّة، ولم يكن أقل من سوق نزوى الذي ـ ولله الحمد ـ حافظ على رونقه ليقدم للعالم نموذجًا انقرض للأسف ولم نحافظ عليه.

إن السياحة في العالم اليوم ترتكز على مجموعة من المقوِّمات، ليس أقلها وجوب إبراز نمط حياة سكان ذلك البلد المزار وكيف كان مستوى حضارته، وهذا لن يتحقق إلَّا إذا شاهد السائح بنفسه وعاش التجربة الحقيقيَّة. أما المتاحف والفيديوهات، فإن أوصلت المعلومة فلن توصل الإحساس والشعور اللذين تقدمهما تلك المباني حتى ولو كانت آيلةً للسقوط، والحل في بناء مُدن وأسواق على نفس الطراز وفي نفس المكان؛ علَّها تسترد شيئًا من ذكريات وعبق الماضي وتنعش قطاع السياحة المحلي.

د. خصيب بن عبدالله القريني

[email protected]