الأحد 07 يونيو 2026 م - 21 ذو الحجة 1447 هـ
أخبار عاجلة

السياسة الخارجية العُمانية.. ثبات المبادئ فـي بيئة دولية مضطربة

السياسة الخارجية العُمانية.. ثبات المبادئ فـي بيئة دولية مضطربة
الأحد - 07 يونيو 2026 10:27 ص

محمد بن سعيد الفطيسي

10

الدولة المحايدة هي تلك التي تقف موقف الحياد وقت النزاعات والخصومات، خصوصًا عندما لا تكون لها مصالح في دعم جهة أو دولة معيَّنة، فتقف موقف الحياد من المتنازعين أو المتخاصمين، وعدم الانحياز لأحدٍ منهما.

ويُطلق على هذا السلوك السياسي الحياد الإيجابي؛ لأن الدولة بذلك «لا تتحيز لأحد الدول المتخاصمة مع مشاركتها لسائر الدول فيما يحفظ العدل والسلام».

أما العزلة السياسيَّة فهي «نقيض التفاعلات الدوليَّة، وهي بالتأكيد خلاف الوضع الطبيعي أو المعتاد لأيِّ كيان سياسي، فضلًا عن أيِّ دولة، ولطالما قيست قوة الدول بقدرتها على التأثير في مجمل العلاقات الدوليَّة».

وفي وضع الدولة العُمانيَّة وسياساتها وتوجهاتها الخارجيَّة، فسلطنة عُمان لا ينطبق عليها مبدأ العزلة السياسيَّة؛ فهي ليست بمعزل، ولا يمكنها أن تعزل نفسها عن الاستثناءات والتناقضات أو التأثر والتأثير في بقيَّة الأطراف والعلاقات الدوليَّة، والتي لا يمكن أن تخلو منها سياسات وتوجُّهات الدول قديمًا وحديثًا. ولكن دائمًا ما تبقى الثوابت الأخلاقيَّة والقيم السياسيَّة الوطنيَّة هي الثابت الذي تتحرك بناءً عليه السياسة الخارجيَّة العُمانيَّة في علاقاتها ومواقفها الخارجيَّة مع الدول والسياسات والتوجُّهات العالميَّة.

على ضوء ما سبق، يمكن التأكيد على أن السياسة الخارجيَّة العُمانيَّة لم تكن يومًا بمعزل عن الأحداث الدوليَّة، وأنها دائمًا ما كانت لاعبًا قادرًا على تغيير التوازنات السياسيَّة والعسكريَّة في المنطقة، وهو دليل واضح على الدور المتوازن للسياسة الخارجيَّة العُمانيَّة، والذي يؤكد مبادئ الحياد الإيجابي واختيار القضايا المناسبة لمصالحها الوطنيَّة الاستراتيجيَّة.

وقد تبنَّت سلطنة عُمان لتحقيق ذلك ما يُطلق عليه تنفيذ فكرة الانفتاح السياسي على العالم الخارجي، والذي يُقصد به العمل على بناء علاقة من التبادل والتداخل والتقارب والاتصال بين الداخل الوطني العُماني والخارج الإقليمي والدولي، وفي مختلف الجوانب، خصوصًا الجانب السياسي منها، وفي إطارٍ منهجي سليم ومدروس يحكم ذلك التوجُّه والهدف وتلك العلاقة العابرة للحدود الوطنيَّة. وهي من أهم التوجُّهات السياسيَّة التي عمل على بنائها وتوسيمها السُّلطان قابوس ـ طيَّب الله ثراه ـ للسياسة الخارجيَّة العُمانيَّة منذ بداية بواكير النهضة المباركة؛ بهدف فك أطواق العزلة السياسيَّة، والبُعد عن سياسة الانغلاق والتقوقع كما سبق وأشرنا.

وكان هذا الهدف واحدًا من أهم وأبرز أهداف بناء أُسُس وركائز السياسة الخارجيَّة العُمانيَّة بوجْه خاص، وواحدةً من تلك الصور الذهنيَّة التي أراد جلالة السُّلطان قابوس ـ طيَّب الله ثراه ـ أن تتسم وتوسم بها.

وفي هذا السياق يقول جلالته (طيَّب الله ثراه): «إن سياسة الانغلاق لم تَعُد تلائم العصر، وأصبحت المصالح متشابكة، وازدادت الحاجة إلى العلاقات الطيبة والانفتاح على العالم».

وما زالت سلطنة عُمان في عهد حضرة صاحب الجلالة السُّلطان هيثم بن طارق ـ أعزَّه الله ـ تسير وفق ذات المنهج المتزن في التعامل مع مختلف القضايا الدوليَّة والإقليميَّة، سواء تلك القضايا التي تتداخل فيها المصالح العُمانيَّة بشكل مباشر أو من خلال مصالح جيرانها وحلفائها، مع الأخذ في الاعتبار الأصل السياسي في مختلف أشكال العلاقات الدوليَّة، أو المعيار الذي يتم من خلاله ضبط تلك العلاقات، أقصد معيار المصلحة الوطنيَّة.

ختامًا، يمكن التأكيد على أن ثبات السياسة الخارجيَّة العُمانيَّة وتمكُّنها من الاستمرار بعيدًا عن دائرة الفوضى السياسيَّة والأمنيَّة في بيئة دوليَّة مضطربة، شديدة التعقيد والتقلبات، وبالرغم من الضغوط السياسيَّة وتضارب المصالح الجيوسياسيَّة للعديد من الدول معها حول بعض القضايا الإقليميَّة، يؤكد نجاح التقاليد والقيم التي سارت عليها منذ العام 1970م. كما يثبت قدرة تلك القيم والتقاليد على الدفع بالسياسة الخارجيَّة العُمانيَّة إلى التحرك إلى الأمام للقيام بدور قيادي والتزام أخلاقي لحل العديد من القضايا والملفات الدوليَّة الحسَّاسة.

محمد بن سعيد الفطيسي

باحث في الشؤون السياسية والعلاقات الدولية

رئيس تحرير مجلة السياسي – المعهد العربي للبحوث والدراسات الاستراتيجية

[email protected]

MSHD999 @