عمّان ـ العُمانية: يمثل معرض «أبعاد مختزلة» للتشكيلي الأردني خالد خريس دعوة للتأمل وإعادة النظر في الأشياء البسيطة الهادئة في زمن تتلاحق فيه الصور وتتزاحم فيه التفاصيل، حيث يمكن للفراغ أن يصبح جزءاً من القصة، مثلما يمكن للّون أن يتحول إلى لغة قادرة على التعبير عن مشاعر وأسئلة وتجارب ممتدة. وتوازن أعمال المعرض المقام على جاليري وادي فينان في عمّان بين الاختزال البصري وثراء الدلالة، ويواصل خريس فيها مشروعه القائم على البحث في جوهر الشكل واللون والعلاقة بين الإنسان والفضاء المحيط به. ويمثل المعرض محطة جديدة في المسيرة الطويلة لخريس الذي يعد أحد أبرز الأسماء في الفن التشكيلي الأردني المعاصر، حيث عُرف عبر عقود بانشغاله بالتجريد التعبيري، وبتطوير لغة بصرية خاصة تستند إلى التأمل والاختزال وإعادة بناء العناصر ضمن تكوينات تتجاوز المباشر والوصفي نحو مستويات أعمق من القراءة والتلقي. ويضم المعرض مجموعة من الأعمال التي جاءت متنوعة على صعيد الأحجام وكذلك على صعيد التقنيات، لكنها تتوحد في سعيها إلى تقديم رؤية فنية تتعامل مع الفضاء بوصفه عنصراً فاعلاً لا مجرد خلفية للحدث التشكيلي، ففي معظم اللوحات تبدو الأشكال وكأنها في حالة تَشكُّل دائم، تنبثق من اللون وتعود إليه، بينما تتجاور الكتل والخطوط والإيقاعات اللونية في بناء بصري يمنح المشاهد فرصة للتأمل ويفتح أمامه مجالاً للتأويل.
وقامت فكرة الأعمال المعروضة على تقليص التفاصيل لصالح إبراز الجوهر، مع محاولة الإمساك بما هو أساسي في التجربة الإنسانية بعيداً عن الزوائد البصرية، لذا مالت اللوحات إلى التجريد مستثمرة العلاقات بين اللون والفراغ والحركة، ولم تعتمد على كثافة العناصر أو وفرة التفاصيل، بل انشغلت في بناء تأثيرها من خلال الحد الأدنى من العلامات البصرية، وهو ما منحها طابعاً تأملياً، وعزز حضورها الجمالي.
واشتمل عدد من اللوحات على خطوط وإشارات بدت قريبة من أثر الحركة أو الذاكرة أو الأثر الإنساني العابر، دون أن تتحول إلى أشكال محددة أو رموز مغلقة، وهو ما منح الأعمال مرونة في التلقي، إذ يستطيع كل مشاهد أن يجد فيها ما يرتبط بتجربته الخاصة أو بمخزونه البصري والوجداني.
ويؤكد المعرض ما عُرف عن خريس من انشغاله على مدى سنوات بإعادة تعريف العلاقة بين التجريد والواقع، حيث لا ينفصل أحدهما عن الآخر في تجربته، فالأحداث اليومية والتحولات الاجتماعية والثقافية كانت دائماً حاضرة في خلفية أعماله، حتى عندما تبدو اللوحات بعيدة عن التمثيل المباشر لمثل هذه الأحداث. والمتابع لتجربة الفنان يرى بوضوح انعكاس مفاهيم الضوء والعتمة والحشود والمدينة والإنسان في لوحاته، وتقديمه هذه المفاهيم ضمن رؤى تجريدية ذات أبعاد فلسفية عميقة. وتُظهر اللوحات تعامل خريس مع اللون بوصفه لغة مستقلة قادرة على نقل المشاعر والأفكار بعيداً عن الحاجة إلى التفاصيل أو الأشكال المباشرة، ليغدو اللون العنصر الأكثر حضوراً في تشكيل الرؤية الفنية.