الأربعاء 24 يونيو 2026 م - 9 محرم 1448 هـ
أخبار عاجلة

طناء النخيل .. عادة اجتماعية متوارثة توثق ارتباط الإنسان بالأرض

طناء النخيل .. عادة اجتماعية متوارثة توثق ارتباط الإنسان بالأرض
السبت - 06 يونيو 2026 02:05 م
210


القابل ـ «الوطن» :

يُعَدُّ طناء النخيل في سلطنة عمان عادة يتواثرها الأبناء عن الأجداد في صورة تجسد عبق الماضي التليد بالمستقبل المشرق هذا ما تمثله «قرية عز» في ولاية القابل من هذه التظاهرة الجميلة التي تمثل ملحمة تراثية واقتصادية وهي تُحيي «القيظ» حيث يحرص عليها الجميع فهي تظاهرة سنوية تجمع بين الاستثمار والتكافل الاجتماعي، وتوثق ارتباط الإنسان بالأرض تبدأ مع تباشير القيظ وإعلان الصيف عند قدومه وبما تشهده من حراكًا اقتصاديًّا واجتماعيًّا فريدًا ليتجدد الموعد السنوي.

بورصة تقليدية

يقول مروان بن سالم العذوبي بأنها ظاهرة طني النخيل والتي تعد من الموروث العماني تتوارث الأجيال لترسم لوحة حية من التكافل والتعاون الاجتماعي. وأضاف: طناء النخيل لم يكن يومًا مجرد عملية بيع وشراء عابرة، بل هو بمثابة بورصة تقليدية مفتوحة تُقام وسط واحات النخيل الظليلة تبدأ الحكاية بجمع الأهالي والتجار والمستثمرين في الميادين العامة أو بالقرب من مزارع القرية، حيث يرتفع صوت «المنادي» (الدلال) مُعلنًا بدء المزايدة العلنية على ثمار النخيل وهي لا تزال معلقة في قممها. وأفاد بأن قرية عز تتميز بجودة نخيلها وتنوع أصنافها التي تشمل «الخلاص والمدلوكي، والخنيزي، والبونارنجة»، ويرفع التنافس بين الحضور للفوز بطناء النخيل الأكثر وفرة وجودة. وتُدار هذه العملية الشفافة عبر كاتب متخصص يدوّن في دفاتره بدقة أسماء المشترين، والأنواع، والمبالغ المستحقة، لتوثيق حركة البيع وضمان حقوق الجميع.

وقال مروان العذوبي: الطناء له أبعاد أعمق من البيع الوقف والتكافل أي ما يمنح «طناء النخيل» في قرية عز قيمته الاستثنائية هو بُعده الإنساني والوقفي. فجزء كبير من النخيل المعروضة للطناء يعود ملكيته لأوقاف المساجد، أو مدارس تعليم القرآن الكريم، أو صيانة الأفلاح التي تروي عطش القرية تذهب العوائد المالية مباشرة لخدمة الصالح العام، وصيانة نظام الري التقليدي، ودعم الأسر المتعففة، مما يجعل من النخلة شريكًا أساسًا في التنمية المستدامة للقرية، ومصدرًا لا ينضب للخير والتكافل الاجتماعي.

ونوَّه: ساحات الطناء في القرية تتحول إلى ملتقى اجتماعي نابض بالحياة، يجمع بين الأهالي مع أصحاب الخبرة الكبار الذين يمتلكون «الفراسة» في تقدير حجم المحصول بمجرد النظر، بجانب الشباب والأطفال الذين يحضرون للتعرف على أصول هذه المهنة والتي تعود على قيم الأمانة والمواطنة والاعتماد على الذات وسط هذه الأجواء لتفيض دلال القهوة العمانية الأصيلة، وتتبادل الأجيال الأحاديث والتجارب في مشهد يؤكد صمود الهوية العمانية وتوارثها جيلًا بعد جيل، معرجًا بأن الطناء ليس مجرد حدث موسمي، بل هو وثيقة حية تثبت كيف نجح العمانيون في تحويل الزراعة إلى ثقافة، والتجارة إلى قيم تضامنية. ستبقى النخلة في عز وفي كل شبر من أرض عمان الغالية رمزًا للعطاء، ومحورًا لأمجاد اقتصادية واجتماعية تتجدد مع كل صيف.

تمسك بالموروث

من جانبه أوضح محمد بن عبدالله الصقري بأن الطناء في قرية عز يجسد مشهد التمسك بالموروث الاجتماعي والزراعي والذي لا يزال عادة متوارثة ومن العادات القديمة التي يحرص الأهالي على إقامتها سنويًّا عند بدء تحول ثمار النخيل من البسر إلى الرطب حتى أصبحت وقفًا مثل وقف مسجد الشيخ سعيد بن علي الصقري ووقفًا لفلج عز وأوقاف أخرى يعيد ريعها على القرية والمجتمع. وبيَّن الصقري بأنه يتم موعد الطناء عبر إعلان يتم قبلها بفترة وفق القنوات يتبعها القائمون على الطناء ليجتمع أهالي القرية والقرى المجاورة في أجواء تسودها الألفة والنشاط ويتولى «الدلال» مهمة المناداة وإدارة المزايدة، فيما يقوم المشرف بمتابعة التسجيل والحسابات المالية.

ولا يمثل الطناء مجرد مزاد لثمار النخيل، بل يعد سنة حميدة اجتماعية وتراثية تعكس روح التعاون والترابط وتحافظ على عادة متوارثة لا تزال حاضرة في ذاكرة المكان وأهله.

ارتباط وثيق

وأعرب محمد بن سالم الحارثي عن الاهتمام أهالي قرية عز بزراعة النخيل والتي تعَد من أهم الأنشطة الزراعية التي اشتهرت بها وارتبطاها الوثيق مع يوميات الأهالي في حياتهم سواء على الجانب الاجتماعي أو الاقتصادي حتى أصبحت جزءًا من هوية القرية وتراثها الزراعي، مبينًا بأن موسم «طناء النخيل» من المواسم التي ينتظرها المزارعون والتجّار كل عام، حيث يتم تقدير إنتاج النخلة وبيع محصولها قبل نضوج التمور بشكل كامل، ويختلف السعر بحسب جودة المحصول وكمية الإنتاج ونوع التمر.

وقال بأن قرية عز تتميز بوجود أنواع متعددة من النخيل، بعضها ذو جودة عالية وإنتاج وفير، مما يجعل الإقبال على الطناء متفاوتًا من نخلة إلى أخرى. وخلال الموسم يجتمع أصحاب المزارع والمشترون لتقدير قيمة المحصول، وتبدأ المزايدات التي تعكس حالة السوق الزراعي في تلك السنة، منوهًا بأن أسعار طناء النخيل لا تبقى ثابتة، بل تتغير من سنة إلى أخرى نتيجة عدة عوامل مؤثرة أبرزها الظروف المناخية المتعلقة بقلة الأمطار وارتفاع درجات الحرارة أو موجات الجفاف والذي تؤدي في بعض الأحيان إلى ضعف إنتاج النخيل وانخفاض جودة الثمار، بينما تساعد الأمطار والطقس المعتدل على زيادة المحصول وتحسين نوعيته وأيضًا تأثر بعض النخيل الى الآفات الزراعية مثل حشرة الدوباس بشكل كبير على كمية الإنتاج، إضافة إلى العرض والطلب؛ ففي السنوات التي يكثر فيها إنتاج التمور تنخفض الأسعار بسبب وفرة المعروض، أما إذا كان الإنتاج قليلًا فإن الأسعار ترتفع نتيجة زيادة الطلب على المحصول. كذلك يلعب الوضع الاقتصادي دورًا واضحًا فارتفاع تكاليف العمالة والسقي والعناية بالمزارع قد يدفع أصحاب النخيل إلى رفع قيمة الطناء لتعويض المصاريف.

وأشار إلى أن الأسعار تختلف بحسب نوع التمور وجودتها، فبعض الأصناف مرغوبة أكثر من غيرها بسبب مذاقها أو شهرتها أو قدرتها على التخزين، ولذلك تباع بأسعار أعلى.

وقد ترتفع الأسعار في المواسم التي تشهد إقبالًا من التجار أو زيادة الطلب من الأسواق الخارجية، مؤكدًا أن طناء النخيل في قرية عز أكثر من مجرد عملية بيع وشراء، فهو تقليد اجتماعي وتراث زراعي يعكس ارتباط الإنسان العماني بأرضه ونخيله، ويجسد أهمية النخلة كمصدر للرزق والعطاء عبر الأجيال.

عادة قديمة

وقال ناصر بن سعيد الحجري بأن الطناء في قرية عز عادة قديمة متوارثة في القرى العُمانية، حيث يتم بيع ثمار النخيل بالمزاد العلني المناداة يشكل الطناء موسمًا اجتماعيًّا يجتمع فيه الأهالي ويُعَد فرصة للتواصل والتعاون بين المزارعين والمشترين. وأفاد بأن نخلة النغال هي أول الأصناف التي تُطرح في بداية موسم القيظ، وتتميز بثمارها المبكرة وجودتها العالية.