مع تسارع التحولات التقنيَّة بوتيرة غير مسبوقة على مستوى العالم، توسَّع نطاق فهم الكثير من المفاهيم والمصطلحات التقليديَّة السائدة، التي من بينها ـ على سبيل المثال لا الحصر ـ مفهوم «السيادة الوطنيَّة» الذي أصبح غير مقصور على حماية الحدود الجغرافيَّة أو إدارة الموارد الطبيعيَّة فحسب، بل اتسع عمليًّا ليشمل السيطرة على البيانات والتقنيَّات والبنى الرقميَّة التي تُشكِّل في عصرنا الحالي عصب الاقتصادات الحديثة.
وفي هذا السياق تم الكشف مؤخرًا عن مبادرة (ساس للتميز) التي أطلقتها وزارة النقل والاتصالات وتقنيَّة المعلومات كخطوة استراتيجيَّة لتعزيز «السيادة الرقميَّة» في سلطنة عُمان، والإسهام في بناء اقتصاد رقمي أكثر استقلاليَّة وقدرة على المنافسة.
ومن حيث المفهوم، يُقصد بالسيادة الرقميَّة قدرة الدولة على امتلاك وإدارة وتطوير تقنيَّاتها الرقميَّة وبياناتها ومنصاتها الحيويَّة بصورة مستقلة، والحدّ من الاعتماد على الحلول الأجنبيَّة بما يضمن سيطرة الدولة على القرارات التقنيَّة والبيانات الاستراتيجيَّة.
فقد أصبحت «السيادة الرقميَّة» في عالم الاقتصاد أحد المؤشرات الرئيسة لقوة الدول في القرن الحادي والعشرين، وذلك في ظل تصاعد أهميَّة الذكاء الاصطناعي والأمن السيبراني والحوسبة السحابيَّة والتقنيَّات الناشئة.
كما تنعكس السيادة الرقميَّة إيجابًا على الاقتصادات الوطنيَّة من عدة جوانب، فهي تعزز الأمن الاقتصادي والتقني، وتوفر فرص عمل نوعيَّة للكفاءات الوطنيَّة، وتزيد من القيمة المضافة المحليَّة، فضلًا عن أنها تسهم في إبقاء جزء أكبر من الإنفاق التقني داخل الاقتصاد الوطني بدلًا من تسربه إلى الأسواق الخارجيَّة.
لذلك، فإن امتلاك حلول رقميَّة محليَّة يسهم بالنتيجة في رفع مرونة الاقتصاد في مواجهة الأزمات والتقلبات العالميَّة، علاوة على أنه يمنح الحكومات قدرة أكبر على إدارة بياناتها ومشروعاتها الحيويَّة بكفاءة وأمان داخل حدود الوطن.
وبهذا تأتي أهميَّة مبادرة (ساس للتميز) التي ستدعم الشركات التقنيَّة العُمانيَّة، وتستهدف بناء منظومة وطنيَّة متكاملة قادرة على إنتاج المعرفة والتقنيَّة وتصديرها؛ كونها ستقوم على اختيار شركات عُمانيَّة تمتلك منتجات تقنيَّة محليَّة وخططًا واضحة للنمو والتوسع، وتمنحها حزمة متكاملة من الحوافز والمزايا التنافسيَّة في المناقصات الحكوميَّة، بما يمكنها من تطوير منتجاتها وتعزيز قدرتها على المنافسة.
كما يُتوقع أن تسهم المبادرة على المدى القريب في رفع الطلب على الحلول الرقميَّة الوطنيَّة وزيادة حضورها في المشروعات الحكوميَّة والقطاع الخاص، مما يعزز نمو المؤسَّسات المحليَّة سواء كانت صغيرة أو متوسطة أو كبرى، بالإضافة إلى توفير فرص جديدة لتوظيف الكفاءات العُمانيَّة في المجالات ذات العلاقة مثل الذكاء الاصطناعي والأمن السيبراني.
كما أن تخصيص تمويل مالي وفق هذه المبادرة سيُشكِّل حافزًا قويًّا لتسريع عمليَّات الابتكار، وتحويل الأفكار التقنيَّة الواعدة إلى منتجات قابلة للتسويق.
وعلى المدى البعيد، يُتوقع أن يتجاوز الأثر الإيجابي للمبادرة حدود دعم الشركات ليصل إلى بناء صناعة رقميَّة ذات قدرات تنافسيَّة يُتوقع أن تكون ملموسة إقليميًّا وعالميًّا؛ إذ إن كل شركة تقنيَّة عُمانيَّة تنجح في تصدير منتجاتها وخدماتها إلى الخارج يمكن أن يُشار إليها على أنها مصدر جديد للدخل الوطني، ويمكنها أن تسهم في تنويع الاقتصاد الوطني بعيدًا عن القطاعات التقليديَّة. كما أن تراكم الخبرات والكوادر الوطنيَّة داخل هذه الشركات سيؤدي إلى تكوين قاعدة معرفيَّة وتقنيَّة مستدامة تعزز استقلاليَّة القرار التقني للدولة.
لذلك يمكن النظر إلى مبادرة (ساس للتميز) كاستثمار استراتيجي في المستقبل الرقمي لسلطنة عُمان، وخطوة عمليَّة لترجمة مستهدفات رؤية «عُمان 2040» إلى واقع ملموس؛ لأنه كلما ازدادت قدرة الشركات الوطنيَّة على تطوير التقنيَّات وإنتاج الحلول الرقميَّة محليًّا، ازدادت قوة السيادة الرقميَّة، وتعززت معها قدرة الاقتصاد الوطني على النمو والابتكار والمنافسة في عالم تُعَد فيه التقنيَّة أحد أهم مصادر النفوذ والقوة والتنمية الاقتصاديَّة المستدامة... وبالله التوفيق والسداد.
طارق أشقر
من أسرة تحرير «الوطن»