لم يَعُد التعليم مجرد رحلة لاكتساب المعرفة النظريَّة، بل أصبح استثمارًا استراتيجيًّا في بناء الإنسان القادر على صناعة المستقبل والمساهمة في التنمية الوطنيَّة، خصوصًا أننا في زمن تتسارع فيه التحولات الاقتصاديَّة وتتبدل فيه ملامح الوظائف والمهارات بوتيرة غير مسبوقة. ومن هذا المنطلق، يكتسب البرنامج التدريبي الصيفي الذي تطلقه المنطقة الاقتصاديَّة الخاصة بالدقم، بالتعاون مع جامعة السُّلطان قابوس، أهميَّة خاصة؛ إذ يجسد نموذجًا عمليًّا للشراكة بين المؤسَّسات الأكاديميَّة والقطاعات الاقتصاديَّة، ويعكس رؤية وطنيَّة تستهدف إعداد جيل مؤهل يمتلك المعرفة والمهارة والخبرة معًا.
فالمبادرة التدريبيَّة التي تنطلق بعد أيَّام وتمتد لأسبوعين بمشاركة ثمانية عشر طالبًا وطالبةً من مختلف التخصصات الأكاديميَّة تُعدُّ خطوةً تتجاوز مفهوم التدريب التقليدي إلى بناء تجربة معرفيَّة ومهنيَّة متكاملة. فهي تتيح للطلبة الاقتراب من بيئات العمل الحقيقيَّة واستيعاب متطلبات القطاعات الاقتصاديَّة والصناعيَّة الواعدة، التي تمثل ركيزةً أساسيَّة في مسيرة التنويع الاقتصادي التي تنتهجها سلطنة عُمان.
لا شك أن أهميَّة مثل هذه المبادرات تكمن في الرسالة العميقة التي تحملها، والتي مفادها أن التنمية البشريَّة هي أساس التنمية الاقتصاديَّة، وأن الاستثمار الحقيقي يبدأ من الإنسان قبل المنشآت والمشروعات. فالطالب الذي يقف اليوم داخل موقع صناعي أو منشأة اقتصاديَّة ويشاهد عن قرب آليَّات العمل والإنتاج والإدارة، يعود إلى مقاعد الدراسة بفهم مختلف للمعرفة التي تلقاها، وبقدرة أكبر على ربط النظريَّات الأكاديميَّة بالتطبيقات العمليَّة.
لقد ظلت الفجوة بين التعليم وسوق العمل لسنوات طويلة أحد أبرز التحديات التي تواجه العديد من المُجتمعات. فكثير من الخريجين كانوا يجدون أنفسهم أمام واقع مهني يختلف عن الصورة التي رسمتها لهم القاعات الدراسيَّة، فيما كانت المؤسَّسات الاقتصاديَّة تبحث عن مهارات وخبرات قد لا تتوافر بالقدر الكافي لدى المنضمين الجدد إلى سوق العمل. ومن هنا، برزت الحاجة الملحَّة إلى بناء جسور متينة بين الجامعات ومؤسَّسات الإنتاج والخدمات، بحيث يصبح التعليم أكثر إدراكًا بالواقع، ويصبح سوق العمل شريكًا في صناعة المخرجات التعليميَّة لا مجرد مستهلك لها.
وعندما تتعاون جامعة عريقة بحجم جامعة السُّلطان قابوس مع منطقة اقتصاديَّة استراتيجيَّة بحجم المنطقة الاقتصاديَّة الخاصة بالدقم، فإن هذا التعاون يفتح آفاقًا واسعةً أمام الطلبة للتعرف على طبيعة الفرص المستقبليَّة التي تنتظرهم. وفي ذات الوقت، يمنح المؤسَّسات الاقتصاديَّة فرصةً للتعرف المبكر على الكفاءات الوطنيَّة الواعدة. فهي علاقة تكامليَّة تحقق الفائدة للطرفين، حيث تكسب المؤسَّسات كوادر أكثر جاهزيَّة، فيما يكتسب الطلبة خبرات عمليَّة ترفع من قدرتهم على المنافسة والابتكار.
ولا يخفى على أحد أن الاقتصاد الحديث لم يَعُدْ يعتمد فقط على الشهادات الأكاديميَّة، بل أصبح يولي أهميَّة كبيرةً للمهارات العمليَّة والقدرات الشخصيَّة، مثل العمل الجماعي والتواصل الفعال وحل المشكلات والتفكير النقدي، وإدارة الوقت والقدرة على التكيف مع المتغيرات. وهذه المهارات يصعب اكتسابها داخل القاعات الدراسيَّة وحدها، بينما تشكل البرامج التدريبيَّة الميدانيَّة بيئةً مثاليَّة لصقلها وتعزيزها.
ومن زاوية أخرى، فإن ربط مخرجات التعليم بسوق العمل يسهم في خفض معدلات البطالة بين الخريجين، وتزداد فرص التوظيف، وترتفع إنتاجيَّة القوى العاملة، وهو ما ينعكس إيجابًا على النمو الاقتصادي والاستقرار الاجتماعي في آنٍ واحد.
أمَّا على مستوى الطلبة أنفسهم، فإن مثل هذه التجارب تمنحهم وضوحًا أكبر في رسم مساراتهم المهنيَّة. فالطالب الذي يتعرف مبكرًا على طبيعة المهن والتخصصات المطلوبة في السوق، يستطيع أن يوجِّه جهوده الأكاديميَّة نحو المهارات الأكثر طلبًا، وأن يطور ذاته بطريقة أكثر فاعليَّة. كما أن الاحتكاك المباشر ببيئة العمل يعزز الثقة بالنفس، ويكسب الشباب إحساسًا أكبر بالمسؤوليَّة والانتماء لدورهم المستقبلي في بناء الوطن.
وعلى مستوى المؤسَّسات الاقتصاديَّة، فإن الاستثمار في تدريب الطلبة يُمثِّل استثمارًا طويل الأمد في رأس المال البشري الوطني. فهذه المؤسَّسات لا تكتفي باستقطاب الكفاءات بعد التخرج، بل تشارك في إعدادها وتأهيلها منذ المراحل الدراسيَّة الأولى، الأمر الذي يضمن وجود كوادر أكثر انسجامًا مع طبيعة الأعمال ومتطلبات التنمية المستقبليَّة.
أمَّا الوطن، فهو المستفيد الأكبر من هذه المنظومة المتكاملة. فكلما اقترب التعليم من احتياجات الاقتصاد زادت قدرة الدولة على بناء اقتصاد قائم على المعرفة والابتكار والإنتاجيَّة العالية، وكلما ارتفعت جاهزيَّة الشباب ازدادت قدرة البلاد على استثمار مواردها ومشروعاتها بكفاءة أكبر وتعزيز تنافسيَّتها في الأسواق الإقليميَّة والعالميَّة. وهذه من مستهدفات الرؤية المستقبليَّة «عُمان 2040».
إن بناء الأوطان لا يتحقق بالمشروعات العملاقة وحدها، بل يتحقق أيضًا بإعداد الإنسان القادر على إدارة تلك المشروعات وتطويرها واستدامة نجاحها. ولذلك، فإن المبادرات التي تجمع بين الجامعة وسوق العمل تُمثِّل استثمارًا مزدوجًا في المعرفة والتنمية، وتؤسِّس لجيل يدرك أن العلم ليس غاية في ذاته فحسب، بل وسيلةً للإبداع والإنتاج وخدمة المُجتمع. فهي ليست مجرد نشاط صيفي عابر، بل خطوة عمليَّة في مسار طويل لبناء اقتصاد معرفي مستدام يكون فيه الشباب العُماني شريكًا فاعلًا في التنمية، وقائدًا لمَسيرتها، وصانعًا لفرصها المستقبليَّة.
ناصر بن سالم اليحمدي
كاتب عماني