الثلاثاء 02 يونيو 2026 م - 16 ذو الحجة 1447 هـ
أخبار عاجلة

رأي الوطن : استقطاب الخبرات يصنع اقتصاد المستقبل

الثلاثاء - 02 يونيو 2026 03:07 م

رأي الوطن

160

تشهد الاقتصادات الحديثة تنافسًا متزايدًا على امتلاك المعرفة والتقنيَّات والخبرات القادرة على تسريع مسارات التنمية، ورفع كفاءة القطاعات الإنتاجيَّة. وأصبحت الدول الناجحة تنظر إلى التجارب الدوليَّة باعتبارها مصدرًا مهمًّا للأفكار والحلول التي يمكن توظيفها بما يتناسب مع احتياجاتها الوطنيَّة وأولويَّاتها الاقتصاديَّة. وفي هذا الإطار، تواصل سلطنة عُمان نهجها القائم على الانفتاح على التجارب العالميَّة والاستفادة من النماذج التي حققت نجاحًا ملموسًا في مختلف القطاعات الحيويَّة، خصوصًا التي تمتلك السلطنة مقوماتها، حيث شملت الزيارة العُمانيَّة إلى جمهوريَّة بيلاروس قطاعات الأمن الغذائي والصناعة والتقنيَّة في وقت واحد، وهو ما يعكس اتساع الرؤية العُمانيَّة تجاه التنمية وارتباطها بمنظومة اقتصاديَّة متكاملة تقوم على تنويع مصادر النمو، وتعزيز القيمة المضافة في أكثر من قطاع استراتيجي. وتكتسب هذه التحركات أهميَّة خاصة في ظل تسارع التحولات الاقتصاديَّة العالميَّة، واشتداد المنافسة على استقطاب الاستثمارات والتقنيَّات الحديثة والمعرفة المتخصصة.

ويُمثِّل الأمن الغذائي أحد أهم المرتكزات التي تقوم عليها التنمية الاقتصاديَّة المستدامة؛ نظرًا لارتباطه المباشر باستقرار المُجتمعات وقدرتها على مواجهة التحديات العالميَّة والمتغيرات المرتبطة بسلاسل الإمداد والإنتاج الغذائي. وتتجلى أهميَّة زيارة الوفد العُماني إلى مصنع «سلوتسك» لصناعة الأجبان وشركة «بيلاكت» المتخصصة في إنتاج أغذية الأطفال ومنتجات الألبان في كونها تتيح الاطلاع المباشر على أحدث خطوط الإنتاج، وأنظمة الجودة والسلامة الغذائيَّة والتقنيَّات المستخدمة في التصنيع. كما أن مشاركة جهات عُمانيَّة متخصصة، مثل الشركة العُمانيَّة لاستثمارات الغذاء القابضة والشركة العُمانيَّة الأوروبيَّة للصناعات الغذائيَّة، تعكس توجُّهًا عمليًّا نحو بناء شراكات اقتصاديَّة قائمة على نقل المعرفة وتطوير الصناعات الغذائيَّة الوطنيَّة، بما يعزز قدرة السوق العُماني على رفع الإنتاج وتحقيق مستويات أعلى من الاكتفاء الذَّاتي، وزيادة مساهمة الصناعات الغذائيَّة في الناتج المحلِّي.

لقد فعَّلت سلطنة عُمان خلال السنوات الماضية نهجًا اقتصاديًّا يقوم على دراسة التجارب الصناعيَّة الناجحة، والاستفادة من النماذج التي تمكنت من استقطاب الاستثمارات، وتحويل المناطق الصناعيَّة إلى مراكز إنتاج وتصدير متكاملة. ويعكس اطلاع الوفد التجاري العُماني على المنطقة الصناعيَّة المشتركة بين بيلاروس والصين اهتمامًا واضحًا بفهم الآليَّات التي جعلت هذه المنطقة منصَّة صناعيَّة جاذبة للشركات العالميَّة، خصوصًا مع ما توفِّره من دخول معفي من الرسوم الجمركيَّة إلى السوق الأوراسيَّة، إضافة إلى المرافق الصناعيَّة الجاهزة للإيجار أو الشراء. وتُمثِّل هذه التجارب نماذج مهمَّة يمكن الاستفادة منها في تعزيز تنافسيَّة المناطق الاقتصاديَّة والصناعيَّة العُمانيَّة، وجذب مزيد من الاستثمارات النوعيَّة القادرة على خلق فرص العمل، ونقل التكنولوجيا، ورفع حجم الصادرات الصناعيَّة، بما يدعم مستهدفات التنويع الاقتصادي، ويعزز مكانة السلطنة على خريطة الاستثمار الإقليمي.

إنَّ اقتصاد المستقبل يرتبط بصورة وثيقة بالابتكار والتقنيَّة وريادة الأعمال، حيث أصبحت المعرفة الرقميَّة والتقنيَّات المتقدمة من أهم عناصر التنافسيَّة الاقتصاديَّة في العالم. لذا، تكتسب زيارة مركز التكنولوجيا الفائقة في بيلاروس أهميَّة كبيرة؛ باعتباره أحد أبرز تجمعات تقنيَّة المعلومات والابتكار في أوروبا الوسطى والشرقيَّة، ويضم بيئة متكاملة لدعم الشركات التقنيَّة من خلال الحاضنات والمسرعات والخدمات المتخصصة في تطوير الأعمال. كما أن الاطلاع على هذه التجربة يفتح المجال أمام تعزيز منظومة الابتكار الوطنيَّة، واستقطاب الشركات العاملة في القطاعات التقنيَّة للاستثمار داخل السوق العُماني، بما يدعم بناء اقتصاد قائم على المعرفة، ويرفع قدرة المؤسَّسات الوطنيَّة على مواكبة التحولات التكنولوجيَّة المتسارعة. وتُمثِّل هذه التحركات امتدادًا لسياسة عُمانيَّة تدرك أن استقطاب الخبرات الناجحة ونقل المعرفة والتقنيَّة يُشكِّل أحد أهم المسارات القادرة على صناعة تنمية اقتصاديَّة أكثر قوَّة واستدامة خلال المرحلة المقبلة، ما يتوافق مع طموحات وتطلُّعات رؤية «عُمان ٢٠٤٠».