الثلاثاء 02 يونيو 2026 م - 16 ذو الحجة 1447 هـ
أخبار عاجلة

فن الدبلوماسية .. بين المفاهيم الراسخة والطفرات التكنولوجية

فن الدبلوماسية .. بين المفاهيم الراسخة والطفرات التكنولوجية
الثلاثاء - 02 يونيو 2026 10:06 ص

د. سعدون بن حسين الحمداني

150

تُعرَف الدبلوماسيَّة بأنها هي الوسيلة التي تتواصل بها الدول مع بعضها دون اللجوء إلى العمليَّات العسكريَّة والأمنيَّة والمخابراتيَّة، بل تذهب بعض المدارس المتخصصة بفن الدبلوماسيَّة إلى أنها تبدأ من العائلة والحياة الزوجيَّة التي هي نواة المُجتمع والموارد البشريَّة المستقبليَّة، وهو ما يُسمى بالإتيكيت الاجتماعي، وهو جزء أساس من فن الدبلوماسيَّة، وأهم سِماته الحوار الجميل والراقي والمهذب، باختيار الكلمة اللطيفة والأسلوب الشجي والتواضع والإيثار، وغيرها من الصفات الأخلاقيَّة الأصيلة ذات الدلالات الراقية في الحياة، وهي الحجر الأساس لكفاءة العمل الوظيفي، أو ما يُسمى بالإتيكيت الحكومي.

إن القيم الراسخة لفن الدبلوماسيَّة هي «مفاهيم البروتوكول والإتيكيت»، وأنا شخصيًّا أُمثِّل هذه المفاهيم مثل سكة الحديد، وهي تحتوي على خطين ثابتين من الحديد، والعربات تسير فوق هذين الخطين؛ وهما «البروتوكول والإتيكيت»، والعربات هي فن الدبلوماسيَّة. فقد تغيَّرت شكل العربات استنادًا إلى المتغيرات والطفرات التكنولوجيَّة الحاصلة في المنطقة والعالم، فالعربات في ستينيَّات القرن الماضي تختلف كثيرًا عن عربات الآن من حيث الحداثة والسرعة، وتوافر وسائل الراحة والتكنولوجيا لخدمة المسافرين. هذا المثال ينطبق على مقالنا لهذا اليوم.

تستند دبلوماسيَّة القرن الماضي وما قبله إلى مفاهيم متواضعة في البروتوكول والإتيكيت والعلاقات العامة، وغيرها من التقسيمات والصفات، والتي كانت بعيدة عن وسائل التواصل التكنولوجي والطفرات والثورة الرقميَّة، لتبدأ الدبلوماسيَّة الحديثة التي تواكب هذا التطور المتسارع مع الذكاء الاصطناعي والأمن السيبراني، وبقيَّة البرامج التي تخدم فن الدبلوماسيَّة، معتمدة اعتمادًا كبيرًا على المفاهيم التي تم التطرق إليها.

تتفاخر المدارس الدبلوماسيَّة البريطانيَّة بصورة خاصة، والأجنبيَّة بصورة عامة، بإنشاء وتأسيس فروع جديدة لفن الدبلوماسيَّة لتسير جنبًا إلى جنب مع التطورات العالميَّة الكبيرة التي تجوب العالم، بعيدةً عن الأساليب الكلاسيكيَّة بعالم السياسة والمال والاقتصاد، لتبدأ مرحلة الثورة الصناعيَّة التكنولوجيَّة بدلًا من الأيديولوجيَّات والنظريَّات والمدارس الحزبيَّة ومبادئها التي تختلف من بقعة إلى أخرى، لتؤسِّس فروعًا جديدة تواكب الرؤية العصريَّة والمستقبليَّة للبلدان. ومن أهم الفروع التي تم تطويرها والعمل فيها هي: الدبلوماسيَّة الاقتصاديَّة، والدبلوماسيَّة الشعبيَّة، والدبلوماسيَّة الرقميَّة، ودبلوماسيَّة الذكاء الاصطناعي وعلم التحليل الرقمي، والدبلوماسيَّة التكنولوجيَّة وحوكمة حماية البيانات والأمن السيبراني، والدبلوماسيَّة السياحيَّة، والدبلوماسيَّة الرياضيَّة، والدبلوماسيَّة الأكاديميَّة والثقافيَّة، والدبلوماسيَّة الدينيَّة، والدبلوماسيَّة التراثيَّة والتاريخيَّة، والدبلوماسيَّة المناخيَّة، والدبلوماسيَّة الصناعيَّة، والدبلوماسيَّة الإعلاميَّة والمنصَّات الرقميَّة، ودبلوماسيَّة الشركات التقنيَّة الكبرى، ودبلوماسيَّة متعددة الأطراف، وغيرها من الفروع التي تؤدي دورًا جوهريًّا في رفد الميزانيَّة الماليَّة للجهة التي تنفِّذ هذه الأنواع. فعلى سبيل المثال، تعاقدت إحدى الجامعات البريطانيَّة على تدريس عدد كبير من طلبة إحدى الدول من المراحل الأوليَّة للبكالوريوس لغاية الدكتوراه بمبلغ يُقدَّر بـ(600) مليون باوند إسترليني، وبالتالي فإن الدبلوماسيَّة الأكاديميَّة والثقافيَّة بدأت تنتشر في بريطانيا منذ خمسينيَّات القرن الماضي وإلى الآن، لتحقق فائضًا ماليًّا، بالإضافة إلى التقدم العلمي المنفرد في براءة الاختراعات، وإنشاء أقسام جديدة لتحصل على عقود استشارات علميَّة لعدد كبير من الدول.

لذلك، على كل دولة أن تدرس مُقوِّمات بلدها من حيث الموارد الطبيعيَّة، والتراثيَّة، والدينيَّة وغيرها، وتحوّلها من تراب لا قيمة له إلى ذهب وموارد ماليَّة تدعم خزينة الدولة، وتصبُّ في خططها التنمويَّة التي هدفها ازدهار البلد ورفاهيَّة المواطن.

وأقرب مثال لنا قطر الشقيقة، التي خطَّطت ونفَّذت مفردات الدبلوماسيَّة الرياضيَّة، حيث استضافت كأس العالم 2022، وحققت أهدافًا تكاد تكون صعبة للغاية، لتصبح دولة قطر قدوةً بكفاءة قيادتها ويعرفها «الداني والقاصي»، حيث نظَّمت هذه الفعالية بكل احترافيَّة، ويكاد تكون نسبة الخطأ صفرًا من ناحية التنظيم والتخطيط والتنفيذ، وتطبيق مفاهيم البروتوكول والإتيكيت، والاستضافة بكل معاني الحكمة وفريق العمل الحكومي النموذجي، سواء من رجال الأمن والمراسم والتشريفات والعلاقات العامة، والفرق الساندة والداعمة، مستندةً إلى الدبلوماسيَّة الرياضيَّة، ومتلازمةً مع الدبلوماسيَّة السياحيَّة لتحقق الأهداف المرسومة لها، رغم أن هناك بعض الرياح الصفراء التي كانت تعيق الخطوات المرسومة، إلَّا أن كفاءة فِرق التنفيذ والخطط البديلة جعلت العرب يتفاخرون بدوحة العرب لهذا التنفيذ النموذجي، وحققت كفاءةً عالية في تطبيق مفردات هذه الأنواع من الدبلوماسيَّة، وكذلك بريطانيا التي تطبق الدبلوماسيَّة التراثيَّة والتاريخيَّة لزيارة القلاع والقصور التي يرجع تاريخها إلى عصر النهضة، وتكسب ملايين من الإيرادات من خلال السيَّاح الذين يزورون قصور إسكتلندا للتعرف عليها.

في الختام، علينا جميعًا أن نبدأ ونفتش عن المفردات التي تحول التراب إلى ذهب في مواردنا التي هي هبة الله في الأرض، وعلينا استغلالها لغرض ازدهار البلد ورفاهيَّة المواطن ودعم خزينة الدولة.

د. سعدون بن حسين الحمداني

دبلوماسي سابق والرئيس التنفيذي للأكاديمية الدولية للدبلوماسية والإتيكيت