قيل في المثل: «ابنِ ابنك ولا تبنِ لابنك»، بمعنى أن عليك أن تُعدَّ أبناءك إعدادًا نوعيًّا بالعِلم والقيم والأخلاق والمهارة، يوفر لهم الحماية والقوَّة والجاهزيَّة، ويمنحهم قوَّة الشخصيَّة وصدق الإنجاز والثقة بالنفس، وتحمُّل المسؤوليَّة والتعلم من المواقف وإدارتها؛ فإنها زاد لهم، وحصن حصين يقيهم عثرة الأيَّام، ويؤسِّس فيهم حسَّ المبادرة والمبادأة وثورة اليقين، وصدق الرقابة مع الذَّات، وإنتاج الحلول للواقع، ويضمن استمراريَّتهم في المسار الصحيح؛ فهي المُعِينة لهم في مستقبل حياتهم القادمة، والخيط الذي يبقى أثره ممتدًّا ما كتب الله لهم الحياة.
إنها موجِّهات لحياة سليمة ملؤها الإرادة والعزيمة، من أن تبني لهم بيتًا لا يستطيعون ترميمه أو إصلاحه إن بدت عليه عوارض الدهر، وتراكمت عليه عوامل الزمان؛ فهم لا يملكون أدوات الإصلاح وآليَّات الترميم. ولعلَّ المعنى من المثل السائد: «لا تعطيني سمكة، بل علِّمني كيف أصطادها»، والذي يأتي في هذا الإطار، وكما قيل عن سيِّدنا علي بن أبي طالب، كرَّم الله وجهه: «علِّموا أولادكم لزمان غير زمانكم»، محطات ملهمة تؤكد أهميَّة أن يمارس الأبناء مسؤوليَّاتهم، ويقوموا بأدوارهم، ويتحملوا نواتج أخطائهم، في حين يبقى دور الكبار في التوجيه والتقييم وإعادة المسار؛ فإن الدفع بالأجيال اليوم إلى استقراء مستقبلهم، في ظل استفادتهم من بعض أحداث الواقع، ومنحهم الحق في تصحيح السلوك والتعامل مع الفرص، ضرورة لا تقبل التأجيل.
والسؤال الذي يطرح نفسه: مَن السبب في وصول هؤلاء الأبناء إلى هذه المرحلة من الاتكاليَّة وعدم القدرة على تحمُّل المسؤوليَّة؟ ولماذا يبكي الآباء والأُمَّهات، وتصرخ الأُسر من بعض تصرفات أبنائها؟ وهل لذلك علاقة بهشاشة العلاقات الأسريَّة، وغياب مرتكزات التنشئة، ودلال التربية، والحساسيَّة المفرطة، والخوف والقلق الزائدين على الأبناء من المستقبل، وتغييب القيم من حياة الأبناء، والحوار الاجتماعي والأسري؟ وكيف يمكن تربية الأبناء على الاستقلاليَّة المسؤولة والعيش في الظروف الصعبة، مع المحافظة على مستويات الرعاية والاهتمام حاضرة؟ تساؤلات كثيرة باتت تُطرح اليوم عند الحديث عن حجم التباينات الحاصلة في علاقة الأبناء بالآباء، والصغار بالكبار.
قد يظن بعض الآباء والأُمُّهات بأن ما يتحملونه من التزامات ماليَّة صعبة وقروض بنكيَّة من أجل أبنائهم إنما يريدون منه ضمان امتداد جسور التواصل بهم، واستمرار جسر المودة والعروة الوثقى قائمًا لسنوات طويلة، وأن تظل حاجة الأبناء إليهم أقوى، فلا يتمرد أحدهم على أُسرته، ولا يخرج عن طوعها في تفكيره. غير أن النتيجة قد تكون صادمة عندما يتنكر الأبناء لهذا الفضل، ويتجاهلون هذا الاهتمام؛ لذلك ليس غريبًا أن نجد اليوم من الآباء والأُمَّهات مَن يبكون دمًا من تصرفات بعض الأبناء، وتجاهل بعضهم لما قدَّمه أبواهم لهم من فضل دفعوا من أجله الغالي والثمين. وليس غريبًا أن نجد بعض الأسر تصرخ وتئن من تصرفات بعض أبنائها؛ فبين ابن عاقٍّ لوالديه، وبين ابن يعيش حياته بلا هدف، وبين آخر تتكالب عليه الديون وحقوق الناس، كما قد يخرج أحدهم من دراسته الجامعيَّة دون علم والديه أو رغبتهما بذلك، ويختار طريق حياته دون الطريق الذي رسم له، مع عدم التعميم.
وعليه، فإن تداعيات الصورة الأخرى التي قدمتها الأسرة والوالدان في حجم التكاليف والضغوطات اليوميَّة التي يتحملانها في سبيل تعليم أبنائهم، وحجم الالتزامات الماليَّة التي تفوق قدراتهم، والتي اتجهت إلى التكلف والمنافسة وحُب الشهرة والتمايز عن الآخرين، نتج عنها حالة من الدلال والاستهلاك والاتكاليَّة وعدم الاعتماد على النفس لدى الأبناء حتى لوقت متأخر من حياتهم، بل ظلت آثارها ملازمة لبعضهم في حياتهم الزوجيَّة. فمثلًا: رغم ثقل الديون والالتزامات الماليَّة، تتجه أنظار بعض الأسر إلى تدريس ابنها/ابنتها في المدارس الخاصة والعالميَّة، رغم وجود المدرسة الحكوميَّة، ويتكلف أولياء الأمور في توفير الهواتف والأجهزة والألعاب الإلكترونيَّة لهم بأسعار باهظة وهم دون سن الخامسة عشرة. كما يتحملون نقله إلى مدرسته رغم توافر حافلة المدرسة التي تصل إلى باب البيت، وتنتظره والدته وهو في سن الخامسة عشرة وما فوق في ردهة الباب حتى يدخل خوفًا وقلقًا عليه، بل ظلت الأعين تلاحقه وتنتظره داخل المدرسة خشية أن يُغيب صفه؛ وقِس على ذلك الكثير من الالتزامات التي باتت محل منافسة وإظهار التباين، لتلقي بثقلها على حياة الأسرة. وبالتالي، كانت نتيجة ذلك ما ارتبط بهذه القناعة من تأثير سلبي على بناء الناشئة الفكري والاستهلاكي، وطريقة تعاملها مع هذه الفرص والامتيازات التي وفرت لها على طبق من ذهب، ونظرتها إلى هذا التمايز الشكلي الذي سعت الأسرة أن تلصقه بأبنائها.
من هنا نعتقد بأن هذه الصورة من الرعاية غير المنضبطة التي قدَّمتها بعض الأسر في حياة النشء الفكريَّة والنفسيَّة، وأولويَّاته وطموحاته، وأفكاره وهواجسه، ومتغيراته وأحداثه، وفرصه وبدائله، أدَّت إلى حالة من عدم التوازنات وتضييق الصورة التي يجب أن يعيشها الأبناء. كما أسهمت في إنتاج جيل استهلاكي غير قادر على التحكم في رغباته، أو ضبط ممارساته، ينتظر من الآخرين الإنجاز، ويجد في الوالدين والكبار واجب خدمته، وتوفير كل مستلزماته الوقتيَّة التي يتفاخر بها أمام أقرانه وزملائه، بل حتى في تقييمه لسلوك والديه وأُسرته وتعاطيها معه، وكأن توفير هذه المساحة استحقاق واجب التنفيذ تقوم به الأسرة والوالدان دون النظر إلى أي مبررات أو ظروف، ودون أن يتحمل أيّ مسؤوليَّة حتى بما اكتسبته يداه؛ ناهيك عن أن تكون له استقلاليَّة في التفكير، وقوامة في الأمر، أو امتلاك فرصة لاستلام زمام المسؤوليَّة والمبادرة. لذلك ليس غريبًا أن يتردد في حوارات الكبار هذه الصورة القاتمة في وصف الناشئة: اتكالي، مستهلك، سلبي، مقلِّد، جاحد للنعمة، يسعى إلى الانفلات من جلباب الأُسرة في اختيار أصدقائه، وفي طريقة عيشه، وفي دخوله وخروجه للمنزل، بل وفي اختيار زوجته بعد ذلك. حتى أصبح حال الكثير من البيوت مثل الفنادق، يخرج منه متى شاء ويدخل إليه متى أراد، في أوقات متأخرة من الليل، دون استئذان أو حتى إعلام لوالديه بتأخره أو مبيته خارج البيت.
وعليه، فإن قراءة واقع الممارسة اليوميَّة نحو الأبناء تشير إلى أن هناك إخفاقًا واضحًا في إعداد النشء وتربيتهم للعيش في الظروف الصعبة، وتجريب محاكاتهم بالواقع بطريقة تفوق مسألة الرعاية السطحيَّة التي لا تتجاوز توفير الرغبات والحاجات الاستهلاكيَّة اليوميَّة، في حين ظل الاهتمام بالأبعاد الفكريَّة والنفسيَّة والاجتماعيَّة والسلوكيَّة أقل بكثير من الاهتمام بتوفير الطعام والملبس والكماليَّات اليوميَّة، ممَّا يفقد النشء مسار التربية الصحيح والإعداد الاستراتيجي النوعي الذي يؤسِّس فيهم قيم المسؤوليَّة والإرادة وبناء الذَّات والجاهزيَّة والاستعداد، عبر ممكنات ينتج فيها واقعه، ويؤطر فيها ممارساته، ويصنع خلالها عالمه، ويبني فيها أحداثه. وبالتالي، تبرز الحاجة إلى إعادة ضبط مسار التربية والتنشئة والممارسة الأسريَّة إلى حظيرة القيم وموجهات الأخلاق، وغرس مفهوم التربية الحقيقيَّة التي أصَّلها الشرع الحنيف، والتزمها أبناء عُمان في إطار السَّمت والخصوصيَّة التربويَّة والتعليميَّة العُمانيَّة.
أخيرًا، تؤسِّس هذه المعطيات لمرحلة متقدمة في منظومة التربية والتنشئة الاجتماعيَّة والاقتصاديَّة، وتقوية الممكنات العقديَّة والإيمانيَّة والفكريَّة والمهاريَّة والنفسيَّة والمهنيَّة، في صناعة ناشئة اليوم والغد، وبناء مسارات تقدمهم وتحديد أولويَّاتهم، وتحمُّلهم أدوارهم ومسؤوليَّاتهم في العمل والإنتاج والبحث، وانخراطهم في الصناعة والتجارة والمهنة والعمل المهني والفني والتقني والإداري، وتعويدهم على الخشونة وشظف العيش وقسوة الواقع، والتفكير الواعي في تَبنِّي الحلول الاستراتيجيَّة وإعادة تقييمها ونقلها إلى حيز التطبيق، وأن تضع استراتيجيَّات التنمية الاقتصاديَّة والخطط الخمسيَّة والتشغيليَّة للمؤسَّسات إعداد المواطن لتحمل مسؤوليَّاته وبناء ذاته وتقدير إنجازه وإنتاج بدائل واقعه، وتصحيح مسارات الانحراف التي قد تحصل في ربط عمليَّات التطوير بأولويَّات الإنسان واحتياجاته، وتأسيسه على البحث والعمل والإنتاج والتفكير، وتوضيح صورة الشراكة المطلوبة وموقعه منها، وأن مسؤوليَّة الدولة تقف عند حد إعداد هذا المواطن بتوفير التعليم والعلاج المناسب، وعليه أن يوظف ما أتاحته له من فرص التعليم والعمل والبحث والدخول في القطاع الخاص، وأن يتبنى ثقافة إدارة المشاريع وإدارتها، فيسوِّق لنفسه ويطوِّر مهاراته ويبني مساراته ويصقل مواهبه، ولا ينتظر أن توفِّر له الدولة كل ما يهواه قلبه أو يستهويه فكره. فعليه أن يمتلك مهارات البحث، وأن تتوافر له صفة الاتزان في قراءة وفهم القرارات والمشروعات التنمويَّة، وأن يمتلك صدق الإرادة وشغف الإنجاز، وأن تتوافر لديه استعداديَّة التجريب والتضحية والمبادرة والعمل التطوعي، وتحمُّل مسؤوليَّته في إدارة شؤونه والمحافظة على هُويَّته وخصوصيَّته، بحيث يقرأ في عالمه مساحات الأمل والتفاؤل.
د.رجب بن علي العويسي