الثلاثاء 02 يونيو 2026 م - 16 ذو الحجة 1447 هـ
أخبار عاجلة

الدبلوماسية القسرية «لغة السلام كأداة للهيمنة والسلطة»

الدبلوماسية القسرية «لغة السلام كأداة للهيمنة والسلطة»
الاثنين - 01 يونيو 2026 10:15 ص

محمد بن سعيد الفطيسي

10

الدبلوماسيَّة القسريَّة، أو دبلوماسيَّة القوَّة، أو الدبلوماسيَّة القائمة على الإكراه؛ تعددت المفاهيم، وظل الواقع واضحًا وواحدًا، هو أن السلام مقدمة للحرب، وأن الدبلوماسيَّة ليست سوى طريق للوصول إلى غايات السُّلطة والهيمنة.

نعم، تعلَّمنا أن نفهم مصطلح الدبلوماسيَّة على أنه العمل الذي يقوم على الإصلاح والتسوية السلميَّة لحلِّ نزاع أو صراع ما، وهو الوسيلة الأنسب لحلِّ جُلِّ النزاعات السياسيَّة والخلافات الدوليَّة بالطُّرق الليِّنة، وذلك من أجل الابتعاد عن الأعمال القائمة على العسكريَّة والسياسة الصلبة والعنف السياسي.

ولكن، المؤسف تغيُّر هذا المفهوم الأخلاقي لأدبيَّات السياسة الدوليَّة، واستخدامه بطريقة غير معتادة، بل أصبح أشبه بسياسة الردع المضاد للدبلوماسيَّة، فاختلطت معه الغلظة والابتزاز السياسي، وإرهاب الحوار، ومنطق القوَّة، وليُّ الذراع وسياسة العصا من غير جزرة، وازدواجيَّة المعايير السياسيَّة.

يعود مصطلح الدبلوماسيَّة القائمة على الإكراه ـ في أصله الأدبي ـ إلى عدد من الباحثين والمحللين السياسيين المعاصرين، كتوماس شلنج وهيرمان كاهن وروبرت أوزجود وهنري كيسنجر، وهو نوع من الأعمال الفكريَّة السياسيَّة الاستراتيجيَّة القائمة على (التهديد بالقوَّة واستخدامها كجزء لا يتجزأ من المساومة الدبلوماسيَّة).

وبمعنى آخر، قد تحولت إلى ما يمكن أن نطلق عليه «دبلوماسيَّة الإكراه»، وهذا ما نلاحظه اليوم في تعامل العديد من الدول في علاقاتها السياسيَّة والاقتصاديَّة مع بعضها البعض تجاه العديد من القضايا والمصالح الجيوسياسيَّة، مع العلم أن أسلوب الدبلوماسيَّة القائمة على القوَّة قد أصبح مهيمنًا على السياسة الخارجيَّة للعديد من الدول في الآونة الأخيرة، خصوصًا في الشرق الأوسط، الساحة الأشد بروزًا للسياسة القسريَّة والدبلوماسيَّة القائمة على الإكراه.

من جهة ثانية، نلاحظ أن هذا النوع من التوجُّهات قائم على تبنٍّ رسمي له، بل وهناك مساعٍ كثيرة من أجل «إعادة الحياة إليها جنبًا إلى جنب مع الدعم الشَّعبي المتنامي لدبلوماسيَّة أكثر تشددًا تعزز من مواقع صانعي القرار السياسي المستعدين، في أي أزمة محدَّدة، لتحدي الدعوة إلى الإحجام عن اللجوء إلى القوَّة العسكريَّة إلَّا في حالة الضرورة القصوى».

استنادًا إلى ما سبق استخلاصه، يمكن التأكيد على: «إن استراتيجيَّات القصف والدعاء والصلاة جنبًا إلى جنب مع الميل إلى الاكتفاء بخفض مستوى القدرة العسكريَّة لخصم معيَّن بأنماط غامضة ومحدودة، ولا تنطوي عمومًا، إن انطوت، إلَّا على قليل من التأثير الاستراتيجي في أولئك الذين نسعى إلى ممارسة النفوذ عليهم... وبالتالي فإن الحاجة إلى استخدام فعلي للقوَّة تتزايد، مثلها مثل كميَّة القوَّة الضروريَّة في آخر المطاف لبلوغ الأهداف المرجوة.. وبعبارة أخرى، ليست دبلوماسيَّة الإكراه فكرة جيدة على الإطلاق حين لا تكون مسنودة إلا بتهديدات ضعيفة».

هذا النوع من الانحراف في الأخلاقيَّات الدبلوماسيَّة ليس بجديد في عالم السياسة المعاصرة، أي إننا لا نستطيع أن نقول بأنه نتاج الأحداث السياسيَّة الراهنة وتطوراتها المعاصرة؛ فقد استُخدم قبلًا أثناء الحرب الباردة في ما أُطلق عليه أزمة الصواريخ الكوبيَّة مع الاتحاد السوفيتي، مع التأكيد كذلك على أننا لا نستطيع أن نقول بأنه قد أثبت نجاحه أو فشله، فقد كان العالم واقعًا تحت رحمة دولتين نوويتين كادتا أن تتواجها لولا رحمة الله بهذا العالم.

حديثًا برز، وبأشكال عديدة ومختلفة، وخصوصًا خلال الفترة الراهنة (2010-2026)، في كثير من المواقف السياسيَّة الدوليَّة، وخصوصًا بعد أعقاب حرب الخليج وأحداث الحادي عشر من سبتمبر، مع العديد من الدول ذات الشأن وغيرها، ولكن الجديد هو في تطبيق هذا المفهوم السياسي، وأن تُستخدم الدبلوماسيَّة بهذه الطريقة غير القانونيَّة والملتوية، وتحت ذرائع (ما أنزل الله بها من سلطان)، وأن تكون الأهداف من وراء هذا النوع من الاستراتيجيَّات السياسيَّة هو المصلحة الفرديَّة للدول الكبرى أو تلك التي تحمل بين جنباتها النزعة الاستعماريَّة، أو تتحرك تحت مطامع جيوسياسيَّة بذريعة أخلاقيَّة وأمنيَّة، وليس المصلحة العامة للدول والشعوب المعنيَّة بهذه القضايا.

باختصار، نؤكد أن ظاهرة استفحال الدبلوماسيَّة القائمة على القسريَّة والمبنيَّة على القوَّة ستستمر لوقت ليس بالقصير في ظل التغيرات الدوليَّة ذات الاتجاه العالمي نحو تبنِّي لهجة الحوار بالقوَّة في التخطيط الاستراتيجي للحوار السياسي المستقبلي على مستوى السياسة الخارجيَّة الدوليَّة بشكل عام، وأن ملامح الحروب والنزاعات المسلحة إقليميًّا ودوليًّا ستبقى تلوح في الأُفق خلال العقود القادمة.

محمد بن سعيد الفطيسي

باحث في الشؤون السياسية والعلاقات الدولية

رئيس تحرير مجلة السياسي – المعهد العربي للبحوث والدراسات الاستراتيجية

[email protected]

MSHD999 @