في أيامنا هذه ندخل موسم الامتحانات الطلابية، وهناك وعلى كل مقعد أو مكتب من مكاتب هؤلاء الطلاب ،ستجد مشروبا من مشروبات الطاقة أو كوبا من القهوة المعدة على عجل. حيث باتت هذه المشروبات طقسا ثقافيا -إن صح لي التعبير -راسخا في حياة الطالب المعاصر، بل إن كثيرا من الطلاب لا يتصورون ليلة مذاكرة دون رفقة علبة من تلك المشروبات أو فنجان قهوة . وبينما يرى هؤلاء الطلاب في هذه المشروبات عاملا مساعدا يعين على تخطي حاجز النوم وتعزيز التركيز، فإن الحقيقة الطبية أكثر تعقيدا وأكثر قلقا مما يعتقدون!
وكما نعي جميعا تحتوي مشروبات الطاقة في الغالب على جرعات مرتفعة من الكافيين،ومواد متفرقة إضافة الى السكر ،حيث تتراوح نسبة الكافيين في العلبة الواحدة بين ثمانين و مائة وستين مليجراما. ولكن للأسف هنالك درسات وضحت ان استهلاك مشروبات الطاقة بين الشباب والمراهقين ارتبط بالأعراض القلبية والعصبية، من بينها تسارع ضربات القلب والصداع، واضطرابات النوم. والمفارقة أن الطالب الذي يشرب هذه المشروبات ليتمكن من المذاكرة لساعات أطول يجد نفسه في النهاية أمام نوم مضطرب تتراجع معه قدرته على التركيز وتثبيت المعلومات في الذاكرة طويلة الأمد!
بل أقول هنا، بأنه قد تزداد الصورة قتامة حين نعلم أن عددا من الطلاب لا يكتفون بمشروب واحد في الليلة الواحدة، بل يتناولون عدة علب أو يجمعون بين مشروبات الطاقة والقهوة في آنٍ واحد. وهنا حقيقة تكمن المخاطرة ،خصوصا وأن هنالك الكثير من الأطباء وثقوا عددا ليس بالبسيط من الطلاب أصيبوا بعدم انتظام في ضربات القلب وارتفاع في ضغط الدم إثر الإفراط في هذه المشروب .
اماً على الصعيد النفسي ، سنلاحظ ونسمع بأن أعدادا متزايدة من الطلاب باتوا يشعرون بالقلق والتوتر الشديد والعصبية المفرطة عند الإفراط في هذه المشروبات، وهي أعراض تتداخل مع اضطرابات القلق المعروفة وقد تفاقمها. ويؤكد واقعيا آخر دراسة مرتبطة بالتغذية والتي نشرت دراسة تؤكد إلى وجود علاقة طردية بين ارتفاع استهلاك مشروبات الطاقة والأعراض الاكتئابية وتدني الأداء الأكاديمي على المدى البعيد! وبالتالي هذا يعني أن المشروب الذي يلجأ إليه الطالب لتحسين أدائه قد يكون سببا خفيا في تراجعه.
من ناحية أخرى ،لا ينبغي أن ننسى أن القهوة أيضا ، فحين تستهلك باعتدال، تحمل فوائد موثقة علميا.حيث تشير دراسات عديدة إلى أن جرعات معتدلة من الكافيين تحسن اليقظة والانتباه وبعض وظائف الذاكرة قصيرة المدى. غير أن الفارق الجوهري يكمن في الكمية والتوقيت ونمط الاستخدام. فالطالب الذي يتناول فنجانين من القهوة في الصباح بعد نوم كافٍ يختلف جذريا عن الطالب الذي يشرب أربع علب من مشروبات الطاقة بين منتصف الليل والفجر على معدة خالية.وعليه يجب أن يعي الجميع بأن الجسم البشري ليس آلة تستجيب لكل جرعة تضخ فيها، بل هو منظومة متوازنة خلقها الله في حدود معقولة ومتزنة .
ختاما ،ما يوصي به الباحثون في علم الأعصاب بشكل متكرر هو أن النوم الكافي،هو الركيزة الأساسية التي لا تعوض لتثبيت المعلومات وتعزيز الاسترجاع أثناء الاختبارات. فضلا عن ذلك، تثبت الأبحاث أن جلسات المذاكرة الموزعة على أيام عدة أجدى بكثير من ليلة واحدة من السهر المحموم. ورسالتي هنا إلى أبنائنا الطلاب: أن مشروبات الطاقة والقهوة أدوات لا حلول وأن الاتكاء عليها بديلا عن النوم والتخطيط السليم هو رهان خاسر يدفع ثمنه الجسد أولا ثم العقل وفي نهاية المطاف ربما المسيرة الأكاديمية بأكملها!
د. يوسف بن علي الملَّا
طبيب ـ مبتكر وكاتب طبي