لا يمكن لمن يصبو إلى تصنيف المؤرخين أن يتجاوز نظريَّة المفكر الاسكتلندي «توماس كارلايل» Thomas Carlyle الموسومة Theory of the Hero التي سطَّرها في أغلب تواريخه، وأبرزها في كِتابه الذي عُرِّب في بيروت (أيَّام زمان) بعنوان (الأبطال)، بينما كان هو عنوان الكتاب الأصلي:
(On Heroes, Hero Worship, and the Heroic in History) الذي كان استعراضًا لأعظم أبطال التاريخ، إذ خصَّ كارلايل الرسول الكريم محمد (صلى الله عليه وسلم) بفصل بعنوان «البطل نبيًّا» “ The Hero as a Prophet”.
وتأسِّيًا على هذه النظريَّة التي خدمت (من بين نظريَّات أخرى) في تأسيس وتطور «الرايخ الثالث» في زمنٍ تالٍ بألمانيا، يتشكل التاريخ الآدمي الكوني من سلسلة حقب رئيسة، ولكن هذه الحقب لم تكن لتتحقق أو تتشكل على نحو تلقائي؛ لأنها كانت من صناعة «الأبطال»، أبطال عظام من أمثال (حسب تقدير كارلايل) نابوليون بونابرت Bonaparte، ومارتن لوثر Luther، وكالفن Calvin، وأودن Odin (البطل إلهًا)، حسب الأساطير (الاسكندنافيَّة القديمة)، من بين رجال آخرين.
وحسب هذه النظريَّة كذلك، يفترض الفيلسوف كارلايل أن كل أُمَّة تكمن على عنصر بطولي جماعي في دواخل أفرادها؛ ولكن يبقى هذا العنصر البطولي (الجماعي) سكونيًّا كامنًا، دون فعل أو حراك تاريخي، حتى يولد البطل التاريخي الذي يخدم أُمَّته محررًا للطاقات البطوليَّة الكامنة في دواخل تلك الأُمَّة، وهكذا تتحقق الحقب العظمى عبر التاريخ من خلال خدمة البطل، «قدحةً»، تشعل الطاقات الكامنة في المُجتمع كي تحررها، فتقوم هذه الطاقات المحررة بأعظم الأفعال عبر التاريخ، أي بصناعة الحقب الرئيسة التي غيرت مسارات تاريخ العالم، كما فعل الرسول الكريم (صلى الله عليه وسلم) يوم إعلان رسالة الإسلام الحنيف.
والحق، فإن هذا المدخل «البطولي» إلى التاريخ يختلف اختلافًا تامًّا عن التورخة الدينيَّة التي اختص مؤرخوها بدراسة تطور العقائد الروحيَّة عبر تاريخ الأديان، ومنها تواريخ الكنيسة الكاثوليكيَّة والكنائس الأخرى كالأرثوذكسيَّة، بل وحتى تواريخ الديانات الآسيويَّة مثل الهندوسيَّة والزرادشتيَّة، من بين سواها.
أ.د. محمد الدعمي
كاتب وباحث أكاديمي عراقي