رابعًا: تاريخ يمزج الحقيقة بالأسطورة:
تتوالى القصص والحكايات من لسان المرشدة السياحيَّة البارعة «رشا»، التي يفيض من ذاكرتها التاريخ بشخصيَّاته وأحداثه وأزمنته وتفاصيله الدقيقة بإدهاش يبهر المستمع وإجادة تضعها ضمن المرشدين السياحيين المميزين الذين يستحقون الإشادة والثناء، «سباع بن عودة»، شخصيَّة أخرى من شخصيَّات العاصمة الجزائريَّة، اصطاد أسدًا صغيرًا فتبنَّاه وربَّاه في بيته فنشأ حيوانًا أليفًا، وبلغت ألفته درجة أنه ضم إليه بقرة اشتراها من السوق، فاتهمه الناس بالجنون وغرائبيَّة التصرف، فكيف عنَّ له أن يجمع بقرة بأسد في مكان واحد؟ فرد عليهم قائلًا «يستحيل أن يأكل الأسد الأليف البقرة كما تعتقدون؟»، فما الذي حدث؟ المفاجأة أن البقرة هي التي التهمت الأسد، وما زالت مجسمات الأسد في باب بيته القديم في وسط قصبة الجزائر التاريخيَّة تشهد على قصة أقرب إلى الأسطورة منها إلى الحقيقة، تحولت اليوم إلى جزء من الأمثال والثقافة الشعبيَّة وحكاية شيِّقة تلهب حماس السيَّاح. أمَّا الأيرلندي «نوتردام»، فكان عبدًا، عمل بعد تحريره من العبوديَّة لصالح عائلة جزائريَّة غنيَّة، قبل أن يتحول إلى إدارة مشروعه الخاص بصناعة الذهب، وفي ورشته الأثيرة إلى نفسه، ابتكر خاتمًا أسماه «كلادا»، وبعد عودته الى بلاده أهداه لحبيبته التي تزوجها، فأصبح الخاتم رمزًا عالميًّا للوفاء والحب... تشير «رشا» في سردها التاريخي الذي لا يُمل رغم التعب والإرهاق وآلام المفاصل ونحن نتنقل بين الآثار والمعالم والقصبات والمتاحف ومقام ومنزل وقائمة «الشهيد»، والتاريخ المادي، إلى أن سجل العبوديَّة في الجزائر استمر لقرون، ولم يكُنِ العبيد أفارقة كما هو معروف عند المُجتمعات الأخرى، وإنما كانوا أوروبيين من بريطانيا وفرنسا وإسبانيا وأيرلندا... فأهل الأندلس الذين طردوا من بلادهم واستوطنوا الجزائر، ملأهم الحقد والكره على الإسبان الذين نكلوا بهم وارتكبوا في حق أهلهم المذابح، فشكلوا مجموعات قراصنة، كانت تغير بقوارب صغيرة على السفن الأوروبيَّة فتصداد الأوروبيين وتبيعهم عبيدًا في الجزائر.. في كل ركن وزاوية وبيت قديم ومتحف ومَعلم أثري في الجزائر، صورة مؤلمة تتحدث عن وحشيَّة المستعمر الفرنسي، وطُرق التنكيل وبشاعة القتل والعدد الخيالي للمذابح الجماعيَّة الترهيبيَّة، وقذارة الأساليب التي تستخدم لقمع إرادة وحريَّة ومقاومة الشَّعب الجزائري؛ فلا غرو أن تتحول الجزائر الى متاحف وأيقونات تجسد مرحلة بشعة للتاريخ الاستعماري الفرنسي والمليون شهيد من الجزائريين الذين ناضلوا حتى تحرير بلدهم. مسجد حوصر وذبح أربعة آلاف مصلٍّ داخله، بيت لغّم بالقنابل وفجر، وداخله عشرات الأبرياء من الأطفال والنساء وكبار السِّن، صفحات مضيئة لشهداء وثّقت أسماؤهم وتواريخ استشهادهم في بلاطات من الرخام عُلِّقت في أسوار السجون تذكِّر بقتامة وبشاعة المستعمر... وتضع العرب أمام مسؤوليَّاتهم في مساندة الشَّعب الفلسطيني على تحرير أرضهم وبلادهم ومقدساتهم من براثن الاستعمار ...»مقام الشهيد»، أو «رياض الفتح»، نصب تذكاري يرمز لشهداء حرب التحرير واستقلال الجزائر، شيِّد في ١٩٨٢م، ترمز هياكله أو أغصانه الثلاثة وتماثيله إلى مراحل الاستعمار، سنوات النضال والثورة الجزائريَّة، وأخيرًا النصر والاستقلال... أمَّا «المتحف الوطني للجزائر» فأيقونة أخرى تمتلكها العاصمة، أُسّس في عهد الزعيم الجزائري هواري بومدين، لتخليد جهاد الجزائريين وحركات التحرر، وتوثيق صور الشهداء وسيرتهم ومراحل النضال حتى لحظات الاستقلال، يضم ثروة من الوثائق والصور والقطع الأثريَّة التي تحكي سيرة نضال شَعب. أمَّا «المتحف الوطني للآثار القديمة، والفنون الإسلاميَّة»، فقد افتتح رسميًّا في ١٨٣٨م، ويُعَد الأقدم في الجزائر والقارة الإفريقيَّة، ساحة البريد المركزي»، هي قلب الجزائر ومركزها النابض بالحياة والترفيه والحراك الشَّعبي ـ الثقافي، تعرف بتاريخ البلاد، وتحتشد بالمباني المعماريَّة ذات الطرز «الموريسكي»، تم بناؤها عام ١٩١٠م، وهي من المواقع الجاذبة للسيَّاح، وتتميز كذلك، بالحدائق المزدهرة، وتضمُّ تمثال الأمير عبد القادر الجزائري، «المجاهد والقائد السياسي ومؤسِّس الدولة الجزائريَّة الحديثة. «ساحة باب دازير»، مَعلم تاريخي أثري، كان مدخلًا لمدينة «البليدة» من جهة الشرق، ضمن بوابات خمس، تعود إلى العصر العثماني... فندق القديس جورج سابقًا، الجزائر حاليًّا، والذي تضمنه برنامجنا المزدحم بالمعالم التاريخيَّة والآثار الحضاريَّة، يضم صورًا لعشرات الشخصيَّات السياسيَّة والعسكريَّة والعلميَّة والفنيَّة والثقافيَّة البارزة التي أقامت فيه خلال القرن المنصرم، وكانت فرصة لا تفوت زيارة الغرفة التاريخيَّة الشهيرة للواء «دوايت أيزنهاور»، التي كانت مركزًا لقيادة الحلفاء في تلك الفترة من نوفمبر ١٩٤٢ وحتى ديسمبر ١٩٤٣م. المتحف الوطني للفنون الجميلة الذي يمتلك قطعًا فنيَّة ورسومات ولوحات لكبار الفنانين عالية القيمة، يطل بهوه الخارجي على البحر الأبيض المتوسط، وافتتح في ١٩٢٧م. كنيسة «نوتردام»، أو السَّيدة الإفريقيَّة، تقع في أحد أبرز الأحياء الشَّعبيَّة، «باب الوادي»، افتتحت في ١٩٧٢م، واستغرق بناؤها أربعة عشر عامًا، وتُصنَّف من أكثر الكنائس الكاثوليكيَّة، ذات النمط العمراني البيزنطي، شهرة في منطقة البحر الأبيض المتوسط وإفريقيا، تتميز بإطلالاتها البانوراميَّة المدهشة، على صفحة الأبيض المتوسط، تعود تسميتها إلى سيِّدة إفريقيَّة سوداء تدعى «مارجريت»، ضغطت بقوة على الأسقف «بافي» لإصدار أوامره ببنائها، ولا تخلو قصة وجودها هي الأخرى من أسطورة دينيَّة «المعجزة». ويعود تاريخ «قصبة الجزائر» إلى العصور الغابرة الموغلة في العهود القديمة إلى قرطاجيا ـ بربريا ـ رومانيا، فالأمازيغ، والزيريين والأندلسيين، يعود تاريخها الحديث إلى «بولفين بن زيري الصنهاجي»، الذي يقف تمثاله الرمزي شامخًا في أهم شوارع القصبة، التي كانت تضم حوالي (١٦٠) مسجدًا، و(١٥٥) مشربًا عامًّا «السقاية»، أو «مياه السبيل»، لخدمة السكَّان والضيوف، ضريح الولي الصالح سيِّدي «عبد الرحمن الثعالبي»، من أهم المقاصد التي تُزار في القصبة للتبرك والدعاء والشفاعة، والذي قال في أحوال الجزائر «إن الجزائر في أحوالها عجب.. ولا يدوم بها للناس مكروه.. ما حل عسر بها أو ضاق متسع.. إلَّا ويسر من الرحمن يتلوه»، ثقافات وتقاليد حياة قديمة امتزجت في مباني القصبة وعمارتها، التي شرفها الجزائريون في العصر الحديث، لتصبح معقلًا للمقاومة والتحرير، عندما احتل الفرنسيون البلاد، تم ضمها ضمن التراث المادي لليونسكو.. ورغم قيمتها الثقافيَّة والتاريخيَّة والأثريَّة، إلَّا أنها تعاني من الإهمال والتشوه، فلم تخضع لأيّ ترميمات تحفظ لها هُويَّتها ورمزيَّتها العمرانيَّة كما هو الحال في المغرب والأندلس وبلدان أخرى، فتركت لأصحاب البيوت الذين ما زالوا يسكنون فيها، إفسادها بالأصباغ والرسومات المشوِّهة والصيانات الإسمنتيَّة... عند دخولنا القصبة انبرى شاب جزائري لاستقبالنا، فأهدانا قناني ماء عن روح والده الذي تُوُفِّي قريبًا، فما أجمل الوفاء والبِر، وما أسعدنا بهذه النماذج المشرِّفة من الشَّباب الذين بهم يزهر المستقبل... «يتبع».
سعود بن علي الحارثي