الأحد 31 مايو 2026 م - 14 ذو الحجة 1447 هـ
أخبار عاجلة

في العمق : سلطنة عمان وأولوية التعايش والمشترك الإنساني.. رسالة حضارية فـي زمن التحولات

في العمق : سلطنة عمان وأولوية التعايش والمشترك الإنساني.. رسالة حضارية فـي زمن التحولات
السبت - 30 مايو 2026 10:42 ص

د.رجب بن علي العويسي

10

في ظلِّ عالمٍ مضطربٍ يشهد تراجعًا في المشتركات الإنسانيَّة، تأتي الجهود الوطنيَّة التي تبذلها مؤسَّساتُ الدولة المختلفة في التعريف بثقافة التعايش الإنساني في حضارة عُمان عبر العصور، ونشر قيم الإخاء والتواصل والحوار والتسامح، وتعزيز التعاون والتفاهم العالمي، رسالةً حضاريَّة إنسانيَّة أخلاقيَّة لسلطنةِ عُمان، تُبرز هُويَّتها الوطنيَّة وثوابتها ونهجها المتوازن فكرًا ومنهجًا وقيادةً ودبلوماسيَّة وأسلوبَ حياة، وما تتميز به من فرادةٍ وخصوصيَّة، حيث تُمثِّل هذه المبادرات رصيدًا نوعيًّا تزخر به الثقافة العُمانيَّة عبر تاريخها القديم والحديث، ويتجلَّى ذلك في نتاجها الفكري والثقافي، وعلى مستوى التجارب والخبرة وصناعة الأثر، محطاتٍ تجوب من خلالها الثقافة العُمانيَّة قارات العالم المختلفة ودوله وشعوبه، بما يعكس التمازج النوعي الراقي والمتوازن الذي تحظى به هذه الثقافة.

وشكَّلت هذه المبادرات ومنها جائزة اليونسكو: السُّلطان هيثم لصون التراث الثقافي غير المادي محطات للإعلاء من شأن المشتركات الإنسانيَّة في إطار نهج عالمي ومسار دولي نحو حفظ الموروث الحضاري الإنساني، وتشجيع المُجتمعات والمؤسَّسات والأفراد على الاستمرار في تقديم المبادرات، وتمكين الجهود التطوعيَّة وتأطيرها وحوكمتها. تأكيدًا بما يمتلكه الإنسان العُماني والهُويَّة العُمانيَّة من مميزات نوعيَّة، نموذجًا حضاريًّا عالميًّا معاصرًا في خلق التواصل بين الإنسان، والتعارف بين الشعوب، والتفاعل بين الحضارات. لتضيف هذه الجائزة إلى غيرها من الجهود الوطنيَّة المرتبطة بتفعيل المناسبات العالميَّة حول التسامح والحوار والتعدديَّة الثقافيَّة والتشاركيَّة الإنسانيَّة، مثل: معرض رسالة الإسلام، ومراكز السُّلطان قابوس الثقافيَّة في دول العالم المختلفة، وكراسي السُّلطان قابوس العلميَّة، وأسابيع التقارب والوئام الإنساني، والأيَّام الثقافيَّة العُمانيَّة، ومبادرات السُّلطان قابوس في إثراء حوار الحضارات، ومشاركات الشباب العُماني في مؤتمرات الشباب العالميَّة، ومشروع تواصل الثقافات، واستضافتها للمؤتمرات الدوليَّة ذات العلاقة بالتعايش والتعدديَّة والحوار وغيرها، قيمة مضافة في تحقيق أولويَّة التعايش وتعظيم المشتركات الإنسانيَّة.

لقد كان للرعاية السَّامية لحضرة صاحب الجلالة السُّلطان هيثم بن طارق المُعظَّم ـ حفظه الله ورعاه ـ لهذا النهج الوطني العُماني داخليًّا وخارجيًّا أثره البالغ في تعظيم هذه المبادرات والمراكز العُمانيَّة بما يخدم أبناء عُمان والعالم أجمع، واستحضارها عبر اتفاقيَّات الشراكة الاستراتيجيَّة الثقافيَّة والعلميَّة والتراثيَّة والسياحيَّة وغيرها، وما يمكن أن تقدمه المكتبة الوطنيَّة العُمانيَّة ومجمّع السَّيد طارق بن تيمور الثقافي والمتحف الوطني ومتحف عُمان عبر الأزمان ومعرض مسقط الدولي للكتاب، وغيرها كثير من أُطر ونماذج عمليَّة لتعزيز التعايش الإنساني والتقارب بين الشعوب.

وفي الشأن نفسه، يأتي افتتاح مكتبة السُّلطان قابوس في مقر منظمة التعاون الإسلامي في العاصمة المغربيَّة الرباط، امتدادًا عمليًّا لهذا النهج العُماني، وتجسيدًا لدور السلطنة في دعم المعرفة والحوار، وتعزيز التقارب بين الثقافات الإسلاميَّة والإنسانيَّة، بما يرسِّخ قيم الاعتدال والتفاهم المشترك. كما تأتي كراسي السُّلطان قابوس العلميَّة في جامعات العالم لتؤكد هذا التوجُّه، حيث لم تقتصر على الجانب الأكاديمي، بل أسهمت في تقديم النموذج العُماني في إدارة التنوع الثقافي، وتعزيز الحوار الحضاري، وبناء جسور من الفهم المشترك بين الأمم. كما تعكس هذه المبادرات إيمان عُمان بأن الاستثمار في الفكر والمعرفة هو الطريق الأمثل لبناء عالم يسوده الأمن والاستقرار. وما من شك بأن قيمة هذا الجهد تكمن في ما يمكن أن يؤدي إليه من نتائج ترتبط بالمتغيرات العالميَّة التي يعيشها الشباب في عالمٍ متغير، وكيف يمكن الاستفادة من هذا المنجز الحضاري في تأكيد تواصل أجيال الوطن مع ما أنتجته الحضارة العُمانيَّة في مختلف العصور من آثار ونماذج راقية في ترسيخ منظومة التعايش الإنساني، حيث تكتسب هذه الجهود أهميَّتها المتجددة في ظل ما يشهده العالم من تحولات متسارعة ومتداخلة، شملت مختلف الجوانب السياسيَّة والاقتصاديَّة والثقافيَّة، وأثّرت بشكل مباشر في منظومات القيم لدى الأجيال، وفي أنماط التفكير والسلوك. فقد أسهمت العولمة والانفتاح الرقمي في خلق فضاءات مفتوحة تتداخل فيها الهُويَّات والثقافات، الأمر الذي يفرض تحديات حقيقيَّة أمام الحفاظ على الخصوصيَّة الثقافيَّة وتعزيز الانتماء الوطني.

إن التأكيد اليوم على استمرار هذه الجهود الوطنيَّة وتعظيم أثرها الإنساني والعالمي، يأتي في إطار رؤية عميقةٍ لسلطنةِ عُمان جعلت من الثقافة والفكر مدخلًا لبناء اقتصادٍ مستدام، الأمرُ الذي يوجِّه جهود قطاعات الدولة ومؤسَّساتها في إطار رؤية «عُمان 2040» في استثمار هذا الرصيد الحضاري العُماني الثقافي والفكري والإنساني في بناء اقتصاد الثقافة من جهة، وفي بناء وعي الأجيال من جهةٍ أخرى، وتعزيز ارتباطهم بقيم التعايش الإنساني باعتباره خيارًا استراتيجيًّا لمواجهة التحديات المعاصرة، وتوظيف الخبرات العالميَّة والاستفادة من التجارب الدوليَّة في تطوير آليَّاتٍ تربويَّة وثقافيَّة قادرةٍ على ترسيخ هذه القيم في نفوس النشء وتحويلها إلى ممارسات يوميَّة. الأمر الذي يؤكد أيضًا مسؤوليَّة مؤسَّسات التنشئة الاجتماعيَّة، من الأسرة والمدرسة إلى الإعلام والمراكز الثقافيَّة، في غرس قيم التعايش في نفوس الأجيال، وتزويدهم بالمهارات اللازمة للتفاعل الإيجابي مع العالم. كما يبرز دور الفضاءات الرقميَّة بوصفها منصاتٍ حيويَّة للحوار، تتيح للأجيال فرصًا غير مسبوقةٍ للتواصل والتعبير، ممَّا يتطلب توجيهها نحو تعزيز ثقافة الاحترام والتفاهم. ويبقى الاستثمار في الحوار الشبابي المُجتمعي عبر الفضاءات المفتوحة أحدَ موجِّهات بناء ثقافة التعايش وفق المتغيرات التي تفرضها طبيعة المرحلة؛ إذ باتت هذه الفضاءات تشكِّل الوعي وتوجِّه السلوك، الأمر الذي يستدعي بناء برامج تعليميَّة وثقافيَّة متكاملة تُعنى بتأصيل قيم التعايش، وتعزيز الهُويَّة الوطنيَّة، وتنمية روح المسؤوليَّة لدى الشباب.

على أن هذا التحول في نشر الثقافة الفكريَّة والأدبيَّة العُمانيَّة للعالم، والتسويق النوعي لها، يقتضي جهدًا وطنيًّا مضاعفًا لتعميق هذا الحضور في ثقافة الأجيال، وجعله منطلقًا لهم في حياتهم الوطنيَّة وانطلاقتهم نحو العالم، بما يحقق تواصل الأجيال مع قيم التعايش المُجتمعي وترسيخها في سلوكهم، ليمتد هذا النهج الوطني إلى منظومات التنمية والخطط التعليميَّة والثقافيَّة والفكريَّة والاجتماعيَّة، وتعظيم السلام الداخلي للإنسان العُماني في ظل القيم والهُويَّة والمبادئ، وتجسيد علاقة الشراكة مع مؤسَّسات الدولة، لتنسج خيوطَ التقاءٍ مع الثوابت الوطنيَّة واستحقاقات التعايش مع الذَّات وفهم متطلباتها، والتوازن بين احتياجاتها ومتغيرات الحياة، في إطارٍ من القيم الدينيَّة والأخلاقيَّة الراسخة، للقناعة بما يتحقق من هذا التوازن من أثرٍ إيجابيٍّ على سلوك المواطن وقناعاته وأخلاقه، والمحافظة على المكتسبات الوطنيَّة وولائه وانتمائه ووعيه بمعطيات الواقع، وقدرته على بناء علاقاتٍ إنسانيَّة قائمةٍ على الاحترام والتقدير، لتتَّجه إلى علاقة الفرد مع الطبيعة والبيئة والموارد الوطنيَّة، والحفاظ على المنجزات، وحماية الممتلكات، والاستغلال الحسن لخيراتها، وتقديره للمنجز الوطني بما يحمله من قيم الولاء والانتماء، وبناء منظومة التطوير والمسؤوليَّة في أداء الواجبات الوظيفيَّة والمسؤوليَّة المهنيَّة على أساسٍ من الخلق والشفافيَّة والاستقامة. فإن أجيال عُمان وشبابها الصاعد مدعوون إلى استلهام ثقافة التعايش طريقهم في الحفاظ على النسيج الوطني وصونه في وجه الدعوات غير المنضبطة التي باتت تمسُّ الهُويَّة الوطنيَّة وأصالة المُجتمع العُماني، بما يفتح أمام الشباب آفاقًا أوسع لفهم هذه القضايا التي باتت تصدرها المنصات الرقميَّة والتفاعل معها بوعيٍ ومهنيَّة واتزان.

لقد رسمت سلطنة عُمان ـ عبر تاريخها ـ نموذجًا فريدًا في الاعتدال والحكمة، وصوتًا داعمًا للسلام، ومنصة للحوار بين الشعوب، ولم يكن هذا النهج وليد اللحظة، بل هو امتداد لرؤية حضاريَّة تؤمن بأن التعايش الإنساني هو أساس الاستقرار والتنمية، وهو خيار استراتيجي منبثق من منهج الإسلام، ومتجذر في الثقافة والفكر العُماني المعتدل والمتسامح، والقائم على تحقيق التوازن بين الخصوصيَّة والتطوير، والأصالة والمعاصرة، وتمكين المرأة مع الحفاظ على دورها الأسري، إلى جانب الانفتاح المدروس والاستثمار المخطط. الأمر الذي أثمر عنه مُجتمع متماسك تعايشت فيه مختلف المكوِّنات، وانصهرت في هُويَّة وطنيَّة جامعة، ممَّا عزز الأمن والاستقرار، ورسَّخ قيم التعاون والتكاتف في مواجهة التحديات، وأوجد أرضيَّة مشتركة للشراكة والتعدديَّة وقَبول الآخر. كما أسهم في بناء إنسان عُماني واعٍ، قادر على التكيف مع المتغيرات مع الحفاظ على هُويَّته. وانعكس هذا التَّماسُك الداخلي على السياسة الخارجيَّة، التي قامت على بناء علاقات صداقة متوازنة مع مختلف الأطراف، والإسهام في ترسيخ السلام العالمي العادل، حيث تجسدت هذه السياسة في مبادئ أصيلة ثابتة، قوامها الحق والعدل والمساواة، وعدم التدخل في شؤون الآخرين، وحل النزاعات سلميًّا، واحترام الخصوصيَّات الثقافيَّة، وتعزيز التفاهم الدولي. لذلك سعَتْ سلطنة عُمان إلى بناء شراكات دوليَّة قائمة على الاحترام المتبادل، وتعزيز المبادرات التي تدعم التقارب الثقافي والفكري، والتعايش والوئام والمشتركات، وتعزيز السلام والحوار ووقف كل أشكال التصعيد المؤدي إلى زعزعة أمن واستقرار المنطقة، مستفيدة من موقعها الجيوسياسي وإرثها التاريخي ودورها الحضاري، نموذجًا عالميًّا متفردًا بثباته وعمقه ومصداقيَّته، ورسالة أخلاقيَّة إنسانيَّة متزنة أثبتت قوَّتها في زمن التحولات.

د.رجب بن علي العويسي

[email protected]