الأحد 31 مايو 2026 م - 14 ذو الحجة 1447 هـ
أخبار عاجلة

أضواء كاشفة : عيد الأضحى.. معنى المحبة والعطاء

أضواء كاشفة : عيد الأضحى.. معنى المحبة والعطاء
السبت - 30 مايو 2026 10:38 ص

ناصر بن سالم اليحمدي

10

يأتي عيدُ الأضحى كلَّ عامٍ حاملًا معه نفحاتٍ من الإيمان والسكينة، فيغمر القلوب بضياء الطاعة، ويوقظ في النفوس معاني التضحية والبذل والتراحم.. فالعيد ليس مجرد أيَّامٍ نعلِّق فيها الزينة أو نرتدي فيها الثياب الجديدة، بل هو مناسبة عظيمة تتجلَّى فيها القيم الإنسانيَّة والإسلاميَّة في أبهى صورها، فيشعر الإنسان أنه أقرب إلى الله وإلى الناس وإلى ذاته التي أنهكتها مشاغل الحياة وهمومها.

منذ اللحظات الأولى لفجر العيد، حين ترتفع تكبيرات المساجد معلنةً قدوم هذه الشعيرة المباركة، يسري في الأرواح شعورٌ مختلف يشبه الميلاد الجديد، حيث تتصافى القلوب وتذوب الخصومات ويحل التسامح محل القطيعة.. ويقف المسلمون في صلاة العيد صفًّا واحدًا، لا فرق بين غنيٍّ وفقير، ولا بين صغيرٍ وكبير.. وكأن العيد يعلِّم الناس أن الإنسانيَّة الحقيقيَّة تكمن في وحدة المشاعر ونقاء الأرواح.

إن عيد الأضحى يُعدُّ رحلةً إيمانيَّة متكاملةً تبدأ من قصة نبيِّ الله إبراهيم، عليه السلام، حين امتثل لأمر الله بكل يقينٍ وتسليم، وقدم أعظم معاني الطاعة والفداء.. ومن هنا جاءت الأضحية رمزًا للتقرب إلى الله، ودليلًا على أن المؤمن الحق قادرٌ على التضحية بما يحب في سبيل ما يؤمن به.. فالعيد لا يعلِّم الإنسان الذبح بمعناه الظاهري فحسب، بل يعلِّمه أن يذبح الأنانيَّة والبخل والقسوة، وأن يزرع مكانها الرحمة والإيثار والمحبة.

ولهذه المناسبة المباركة فوائد عظيمة على الفرد والمُجتمع.. فعلى مستوى الفرد يمنحه العيد راحة نفسيَّة وشعورًا بالطمأنينة.. إذ يبتعد الإنسان قليلًا عن ضجيج الحياة ومتاعبها ويلتقي بأهله وأحبته في أجواء من الألفة والمودَّة.. كما أن العيد يرسخ في النفس قيمة العطاء حين يشارك المسلم لحم الأضحية مع الفقراء والمحتاجين فيشعر بلذة البذل، ويدرك أن السعادة الحقيقيَّة ليست فيما يملكه الإنسان، بل فيما يقدمه لغيره.

أمَّا على مستوى المُجتمع فإن عيد الأضحى يعزز روح التكافل الاجتماعي، ويقوي الروابط بين الناس فتكثر الزيارات، وتفتح البيوت، وتتبادل الأسر التهاني والأطعمة والهدايا.. وفي أيَّام العيد المباركة تختفي إلى حدٍّ كبير الفوارق الاجتماعيَّة؛ لأن الجميع يفرحون معًا ويأكلون من خير واحد، ويعيشون مشاعر مشتركة من المحبة والتعاون.. ولذلك ظل العيد عبر العصور مناسبة لصناعة التآلف المُجتمعي وترميم العلاقات الإنسانيَّة.

وإذا عدنا بذاكرتنا إلى الأعياد قديمًا وجدنا أن مظاهر العيد كانت أكثر بساطة وعفويَّة، لكنَّها ربما كانت أكثر دفئًا وصدقًا.. فقد كان الناس يستقبلون العيد بقلوب ممتلئة بالرضا حتى وإن كانت الإمكانات محدودة.. وكانت البيوت تتزين بروح أهلها لا بكثرة المظاهر، ويكفي الأطفال آنذاك ثوب جديد أو قطعة حلوى صغيرة ليشعروا بفرحة لا توصف.. وكانت الزيارات العائليَّة تمتد ساعات طويلة يتسامر فيها الكبار ويلعب الصغار في الأزقة والحارات، بينما تعبق البيوت برائحة القهوة والبخور والأطعمة الشعبيَّة.

أمَّا اليوم فقد تغيرت بعض مظاهر العيد بفعل تطور الحياة وتسارعها.. كما أثر الغلاء وارتفاع الأسعار في كثير من الأُسر فأصبحت بعض العائلات تجد صعوبة في توفير مستلزمات العيد كما كان في السابق.. إلى جانب أن التكنولوجيا ووسائل التواصل الاجتماعي غيَّرت شكل المعايدات والزيارات فحلَّت الرسائل السريعة أحيانًا محلَّ اللقاءات المباشرة.. كذلك أصبحت بعض مظاهر العيد مرتبطة بالمظاهر الاستهلاكيَّة أكثر من ارتباطها بروح المناسبة، فمثلًا نرى بعض الشباب يتسابقون في التفاخر بتجهيزات العيد وأشكال الملابس الجديدة وتصوير مظاهر الضيافة والحلويات المقدمة، ويقومون بتصويرها ونشرها على مواقع التواصل والتنافس أيها أجمل وأقرب للمشاهير ممَّا يثقل كاهل الأُسر.. ومع ذلك يبقى العيد محتفظًا بجوهره الجميل؛ لأن الفرح الحقيقي لا يقاس بكثرة المال، بل بصدق المشاعر ودفء العلاقات.

وفي سلطنة عُمان خصوصيَّة جميلة في الاحتفال بعيد الأضحى؛ حيث تمتزج التقاليد الأصيلة بروح الكرم والمحبة التي عُرف بها المُجتمع العُماني منذ القدم.. ففي عُمان يبدأ الاستعداد للعيد مبكرًا بتنظيف البيوت وتعطيرها بالبخور واللبان وشراء الملابس التقليديَّة الجديدة، خصوصًا الدشداشة العُمانيَّة للرجال والأزياء الزاهية للنساء والأطفال.. وفي صباح العيد يتوجه الناس إلى المصليات والمساجد مرددين التكبيرات في مشهد إيماني مهيب.

ومن العادات التي يحرص عليها العُمانيون ذبح الأضاحي وتوزيعها على الأقارب والجيران والمحتاجين في صورة تعبِّر عن روح التكافل والتراحم.. كما تشتهر البيوت العُمانيَّة بإعداد الأطباق الشعبيَّة الخاصة بالعيد مثل «الشواء» العُماني المميز، إضافة إلى أطباق «العرسيَّة» و»الهريس» وغيرها من الأكلات التراثيَّة التي تجتمع حولها الأسرة في أجواء دافئة.

ولا تزال الزيارات العائليَّة وصلة الرحم من أبرز سِمات العيد في المُجتمع العُماني؛ حيث يتنقل الناس بين بيوت الأقارب والجيران لتبادل التهاني وتقديم القهوة والتَّمر والحلوى العُمانيَّة الشهيرة.. كما تقام في بعض الولايات فعاليَّات شعبيَّة وفنون تراثيَّة تعكس الهُويَّة الثقافيَّة العريقة لعُمان فيشعر المواطن أن العيد ليس مجرد مناسبة عابرة، بل احتفاء بالتراث والانتماء والمحبة.

إن عيد الأضحى مناسبة عظيمة تتجاوز حدود الزمن وتغيرات الحياة؛ لأنه يحمل في جوهره قيمًا لا تَبلى كالإيمان والتضحية والتكافل وصلة الرحم.. ومهما تبدلت المظاهر وتغيرت الظروف الاقتصاديَّة فإن روح العيد الحقيقيَّة ستظل حيَّة في القلوب التي تعرف معنى المحبة والعطاء.. فالعيد ليس فيما نملكه من أموال أو مظاهر، بل فيما نصنعه من فرح في قلوب الآخرين وما نزرعه من خير يبقى أثره طويلًا بعد انتهاء أيَّام العيد.

ناصر بن سالم اليحمدي

كاتب عماني