توسَّع اهتمام القرَّاء والمتابعين لقضايا الرأي العام في العصر الحالي بالدبلوماسيَّة وفنِّ إدارة العلاقات الدوليَّة وانعكاساتها على حياة الشعوب، وذلك في عالمٍ متباين المصالح ومتعدد الأزمات، التي ربما أصبحت لها تداعياتها على مسارات احترام القواعد الدبلوماسيَّة والأعراف الدوليَّة على مستوى العالم.
ووفق نظريَّات العلاقات الدوليَّة، مثل نظريَّة «الواقعيَّة» و«الليبراليَّة» و«البنائيَّة»، ونظريَّة «القوة الناعمة»، فإن القواعد الدبلوماسيَّة هي مجموعة المبادئ القانونيَّة والتنظيميَّة التي تحكم العلاقات الرسميَّة بين الدول، وقد تشكَّلت تاريخيًّا عبر تفاعل القانون الدولي مع التجارب السياسيَّة والأعراف الدوليَّة المتراكمة.
أمَّا الأعراف الدبلوماسيَّة والدوليَّة، فحسب نظريَّة العرف الدولي التقليدي، ونظريَّة مبادئ المجاملة الدوليَّة، ونظريَّة الأعراف البروتوكوليَّة المتراكمة، فإن الأعراف الدبلوماسيَّة تختلف عن القواعد القانونيَّة المكتوبة؛ إذ تقوم على ممارسات وسلوكيَّات تكررت عبر الزمن، فاكتسبت قَبولًا وشرعيَّة في المُجتمع الدولي، ممَّا جعلها جزءًا مؤثرًا في تنظيم العلاقات الدوليَّة، في حين أسهمت سياسات الحياد وعدم الانحياز في ترسيخ بعض الأعراف الدبلوماسيَّة المرتبطة بالتوازن واحترام العلاقات الدوليَّة.
وفيما أصبحت الدبلوماسيَّة وأعرافها معيارًا لقياس نضج الدول وقدرتها على صناعة التوازنات وحماية الاستقرار، أثبتت سلطنة عُمان عمليًّا كما يصفها المراقبون نموذجًا سياسيًّا ودبلوماسيًّا حافظ على احترام القواعد الدبلوماسيَّة والأعراف الدوليَّة كنهجٍ راسخٍ في إدارة السياسة الخارجيَّة.
كما يرى المراقبون أيضًا أنه من الواضح أن سلطنةَ عُمان مُدركةٌ منذ قديم الزمان أن العلاقات الدوليَّة لا يتم بناؤها فقط على موازين القوة، بل كذلك على الثقة والاحترام المتبادل والقدرة على بناء الجسور بين مختلف الأطراف.
كما أكد التعاطي مع الأزمات التي مرَّت بها المنطقة أن الدبلوماسيَّة العُمانيَّة تشكلت على أُسس واضحة أبرزها احترام سيادة الدول، وعدم التدخل في الشؤون الداخليَّة، والالتزام بالقانون الدولي، واعتماد الحوار وسيلةً لمعالجة الخلافات.
فقد أصبح النهج السياسي العُماني جزءًا من الهُويَّة السياسيَّة العُمانيَّة الراسخة ضمن رؤية تقوم على الاعتدال والتوازن والانفتاح المسؤول على العالم؛ إذ تميزت التجربة العُمانيَّة ـ حسب المراقبين ـ بأنها لم تنجرف نحو الاستقطابات الحادَّة رغم التعقيدات الجيوسياسيَّة التي سادت بمنطقة الشرق الأوسط.
والشاهد أيضًا بأنه في الوقت الذي شهدت فيه المنطقة أزمات وصراعات حادَّة متشابكة، حافظت سلطنة عُمان على علاقات متوازنة مع مختلف الأطراف الإقليميَّة والدوليَّة ممَّا منحها مصداقيَّة مميزة، وجعلها محل ثقة بالعديد من الملفات الحساسة.
كما انعكس احترام سلطنة عُمان للقواعد الدبلوماسيَّة في خطابها السياسي والإعلامي المتَّسم بالهدوء والاتزان، والابتعاد عن التصعيد مع التركيز على لُغة الحوار وصولًا للحلول السياسيَّة.
ولم يقتصر التزامُ سلطنة عُمان بالأعراف الدوليَّة على الجانب السياسي فحسب، بل شمل احترام المواثيق والاتفاقيَّات الدوليَّة، وتعزيز التعاون، ودعم جهود الأمم المتحدة في تسوية النزاعات.
كما أن الدور الذي أدَّته البلاد في الوساطات الإقليميَّة والدوليَّة جسَّد قيمة نهجها السياسي المتزن؛ حيث استطاعت الدبلوماسيَّة العُمانيَّة فتح قنوات للحوار في أوقات كانت فيها لُغة التصعيد هي السائدة، مستفيدةً من رصيدها الطويل في الحياد الإيجابي والثقة الدوليَّة؛ باعتبارها تسعى دائمًا إلى تقريب وجهات النظر، وليس تعميق الخلافات.
كما أن احترام سلطنة عُمان للأعراف الدبلوماسيَّة يعكس أيضًا مستوى الوعي السياسي والحضاري للدولة، خصوصًا وأن الالتزام بالقانون الدولي والبروتوكولات الدبلوماسيَّة يصنفان سلوكًا حضاريًّا يحفظ استقرار العلاقات الدوليَّة، ويمنع الانزلاق نحو الفوضى السياسيَّة.
لذلك فإن التجربة العُمانيَّة تقدم نموذجًا مهمًّا في كيفيَّة توظيف الدبلوماسيَّة أداةً لبناء السلام وتعزيز الاستقرار، بعيدًا عن الخطابات المتشنجة، وذلك في عالمٍ تتزايد فيه الأزمات وتتراجع فيه أحيانًا لُغة العقل والحوار، حيث تبدو الحاجة أكبر إلى نماذج سياسيَّة تؤمن بأن الاحترام المتبادل، والالتزام بالأعراف الدوليَّة هما أبرز عناصر القوة والاستدامة في العلاقات بين الدول.
وعليه، فقد تمكنت سلطنةُ عُمان بنجاحٍ باهرٍ من بناء مكانتها الدوليَّة على تراكمٍ إيجابيٍّ طويلٍ من المصداقيَّة والاتزان واحترام القواعد الدبلوماسيَّة وأعرافها، ممَّا جعلها شريكًا يحظى بالاحترام في المحافل الإقليميَّة والدوليَّة.
طارق أشقر
من أسرة تحرير «الوطن»