في مقالتي السابقة، الموسومة: (حذارِ التواريخ المختلة)، لاحظت صنفين من المؤرخين: مؤرخي البلاط والمعسكر، ومؤرخي العمل والإبداع، علمًا أنه لم يتسنَّ لي تناول سواهم من المؤرخين، وهم ـ على أصنافهم وبمجموعهم ـ الذين سطروا تاريخ العالم، كل حسب مشربه وتيقناته، ناهيك عن طبيعة الحقبة السياسيَّة والعلميَّة التي نشط هؤلاء فيها.
وإذا كان «المؤرخون الأرستقراطيون» يضعون جل اهتمامهم بالطبقات الحاكمة والمتنفذة عبر تاريخ العالم، فإن المؤرخين الاشتراكيين (اليساريين) كانوا يرون تاريخ العالم، في جوهره، يرصد العلاقة العضويَّة بين وسائل الإنتاج وعلاقات الإنتاج. وإذا ما ساعدت هذه الصلة العضويَّة المتغيرة الفيلسوفين «كارل ماركس» Marx ورفيقه «فريدريك إنجلز» Engels على قراءة تاريخ العالم بوصفه أشكالًا متنوعة من «الصراع الطبقي» بين الأغنياء والفقراء (الكادحين)، فإن هذه الأشكال تتنوع حسب الحقبة التاريخيَّة اقتصاديًّا: كحقبة جمع القوت، وحقبة إنتاج القوت، ناهيك عن الحقبتين الرئيستين: الزراعيَّة ثم الصناعيَّة، حيث كتب كل منهما أهم مؤلفاته في ظل الثورة الصناعيَّة في إنجلترا في القرن الثامن عشر (مدينة مانشستر).
وعلى نحوٍ معاكس، رأى المؤرخون القوميون التاريخ بوصفه قصة العناصر القوميَّة وهي تخوض في تيَّار الزمن منذ الأزل. وأبرز هؤلاء المؤرخين القوميين كان المؤرخون الألمان مثل the Schlegels الذين ظهروا ثم ازدهروا أثناء وبعد «الوحدة الألمانيَّة»، إذ عبَّدوا الطريق لبلورة النظريَّة العنصريَّة «النازيَّة»، تلك النظريَّة التي أسهمت في التسبب بحربين عالميتين: الأولى والثانية، بعد أن أسَّست «الرايخ الثالث» الذي هيمن عليه أدولف هتلر Hitler، مؤلف Mein Kampf (كفاحي)!
أمَّا في منطقتنا، فقد ازدهرت التواريخ القوميَّة كذلك، متتبعة خطى المؤرخين الجرمانيين والإيطاليين، خصوصًا المؤرخين الفرس والأتراك والعرب (أحيانًا).
أمَّا «المؤرخون الأنتيكون»، فهم هؤلاء الهواة الذين انصبَّ ولعهم في جمع اللقى الأثريَّة التاريخيَّة القديمة أثناء وبعد حملات حفر المواقع الأثريَّة، على سبيل الفوز باللقى النادرة التي لا تقدَّر بثمن، ناهيك عن محاولة قراءة التواريخ عبر هذه اللقى، كالمسكوكات الثمينة والمخطوطات النادرة. وقد اشتهر من هؤلاء في العراق المرحوم عبد الله الصراف، الذي أهدى «المتحف العراقي» كنزًا لا يقدَّر بثمن من العملات الذهبيَّة والفضيَّة القديمة، بل ومنها تلك التي سُكَّت قبل الفتوحات الإسلاميَّة في مختلف بقاع الإقليم العراقيَّة والشاميَّة والمصريَّة والحجازيَّة. كما يرد اسم المغفور له العلامة الأستاذ الدكتور حسين محفوظ لاحتفاظه بكنز من المخطوطات القديمة بالعربيَّة والفارسيَّة والأرديَّة، من بين سواها من اللُّغات الشرقيَّة. وقد انتكس محفوظ صحيًّا حتى كاد يموت بسبب قيام المديريَّة العامة للآثار/بغداد (مؤسَّسة حكوميَّة) بالاستيلاء على كنزه من المخطوطات التي لا تقدَّر بثمن، وذلك بعد «غزو» داره العامرة الكائنة في شارع المحامين/مدينة الكاظميَّة!
أ.د. محمد الدعمي
كاتب وباحث أكاديمي عراقي