السبت 23 مايو 2026 م - 6 ذو الحجة 1447 هـ
أخبار عاجلة

من «الجزائر» إلى «تونس» مدن وحضارات وشواهد يزهو بها التاريخ «٣ـ١١»

من «الجزائر» إلى «تونس» مدن وحضارات وشواهد يزهو بها التاريخ «٣ـ١١»
السبت - 23 مايو 2026 10:59 ص

سعود بن علي الحارثي

10

ثالثًا: «رشا حميدي» نموذج لسياحة ناجحة.

عندما قررنا زيارة الجزائر، بقينا ثلاثة أشهر في حيرة، نبحث ونتصل بأصدقاء، ونستعين بوسائل التواصل، ونطلع على تجارب الآخرين، دون أن نحصل على مكتب سياحي نطمئن إليه، فبعضهم يحتاج إلى أيَّام أو أسابيع كي يرد علينا، وآخرون يطلبون تحويل المبالغ دون ضمانات، ومنهم من يرفع السعر عاليًا، وعندما عزمنا على تغيير الوجهة جاء الفرج من قبل ابنتي خديجة بعد أن اطلعت على تجربة سيَّاح من الإمارات تعاملوا مع شابة جزائريَّة اسمها «رشا حميدي»، كانوا يمدحون أداءها كثيرًا، فتواصلنا معها وشعرنا بالجديَّة وسرعة التجاوب والتواصل، وقدمت لنا برنامجًا متكاملًا، ولم تطلب تحويل أيّ مبالغ، وعندما سألناها أخبرتنا بأن عمليَّة الدفع ستكون بعد وصولنا الجزائر بالسلامة. وقامت بحجوزات الفنادق ورحلات الطيران الداخلي ودفعت قيمة تذاكر دخول المعالم السياحيَّة. وانتظرتنا مع الحافلة والسائق أمام مطار «بومدين»، وأخذتنا إلى الفندق، وعلى مدى اثني عشر يومًا عشناها في العاصمة وغرداية وقسنطينة وعنابة، كانت «رشا» أشبه بخليَّة نحل، تقودنا من مَعْلم سياحي إلى آخر، ومن المتحف إلى القصبة إلى السوق إلى المقهى. وكانت موسوعة تاريخيَّة تحفظ تاريخ الجزائر وأحداثه وقصصه وأساطيره وتقاليد مُجتمعه، تحكيها بشغف وإبهار وبروح المرشد السياحي المؤمن بعمله، وطلبنا منها مرات إضافة يوم في هذه المدينة وإلغاء ليلة في أخرى، وتغيير النقل الجوي الداخلي إلى بري، أو العكس، وتقوم بما نطلبه بكل أمانة ومسؤوليَّة واقتدار وبسرعة عالية جدًّا، وتنتقي لنا أفضل المطاعم السياحيَّة في بيوت تقليديَّة نموذجيَّة. اتفقت «رشا»، مع سبعة مرشدين سياحيين يتميزون بالكفاءة العالية، قدَّموا لنا شرحًا وافيًا في قصور غردايَّة، ومعالم قسنطينة وعنابة، وحافلات تنقلنا يوميًّا صباحًا ومساء، وأوصلتنا أخيرًا إلى العاصمة تونس. لقد كانت نموذجًا للصدق والأمانة والكفاءة العالية والدقة في العمل. «رشا» شابة صغيرة، ما زالت في العشرينات من عمرها، وتمتلك مهارات ومستقبلًا مشرقًا في عالم السياحة... الجزائر، بلد يكفي أن يستنطق زائره التاريخ، فيفتح صفحاته الملآى بالأمجاد والمفاخر، المزهو بالانتصارات والإنجازات والشخصيَّات الحضاريَّة، ويكفي أن يمشي السائح بضع خطوات فتتكشف له حقائق تشعره بالاضطراب والإدهاش والإبهار، وضغط نفسي مصحوب بالخوف والقلق من أن يتسرب وقت برنامجه وزمن زيارته فلا يرى ممَّا يمرُّ عليه ويسمع عنه من المرشد السياحي إلَّا القليل، القصبات، المساجد والجوامع المهيبة، القصور التاريخيَّة، ساحات الشهداء، المتاحف الوطنيَّة والفنيَّة، مقامات الأولياء، الواحات والصحاري التي تسلب لبَّ الإنسان بجَمالها وطبيعتها البكر، حشد المواقع المسجَّلة في اليونسكو، الحدائق والجنائن الفاتنة، الأسواق الشعبيَّة التي تقدم عظمة التاريخ وازدهار الحضارة، وجَمال الماضي، وتقاليد الحياة في الزمن القديم... رحلة لا تشبه غيرها، كل ما فيها استثنائي ومتفرد، يُلْهم الباحث والسائح، يعمِّق المعرفة، ويحفِّز على السؤال ويبعث على الإعجاب، ويفخر بالتاريخ العربي ورسالة الإسلام. البرنامج مزدحم، وما احتواه يأتي ضمن الأولويَّات والأهم والأشهر والأبرز، وإلَّا فإن شموليَّة الزيارة تتطلب أسابيع وأشهرًا من الحركة والجهد والمشي المتواصل ممَّا لا نطيقه ولا نستطيعه! إنها الجزائر مركز الثقل الحضاري الإسلامي، والحاضرة الوسط بين المشرق والمغرب، مزجت في ثقافتها حضارات تميزت بالتنوع والعظمة والإنتاج العلمي والفني والأدبي الغزير، فلا غرو أن تدهشنا وتبهرنا وتربكنا وتثير فينا كل هذه المشاعر والأحاسيس، والتوق للانعتاق في أحضان مدنها وقصباتها وواحاتها التي تتعالى على الوصف والمدح... هنا في مركز التاريخ، تنشط القصص والحكايات والتصورات المدهشة، المثيرة للإبهار التي ترتبط ببناء المساجد والبيوت والحارات والقصبات والقصور القديمة تمزج بين الحقيقة والأساطير، الأحداث السياسيَّة والتاريخيَّة، الانتصارات والهزائم، أمزجة البشر وسطوة المكان، عمل الإنسان في بُعديه الخير والشر.. فالإيطالي «جينو»، الذي تسمَّى بعلي، بعد إسلامه، أسره القراصنة الجزائريون في عرض البحر الأبيض المتوسط، وباعوه عبدًا لأسرة غنيَّة، ولم يجد من سبيل لنيل حُريَّته، إلَّا النطق بالشهادتين والدخول في الإسلام، امتهن التجارة بعد الحُريَّة في الجزائر، فأصبح من بين أعظم الأغنياء فيها، أحب جزائريَّة، وأراد الزواج منها، فرفضته لأنه كان عبدًا، وبعد محاولات وحوارات، اشترطت عليه بناء مسجد يحمل اسمها «لالا هم»، ويطلق عليه أيضًا مسجد «علي بتشين»... واحدة من القصص التي تحتشد بها ذاكرة الجزائر وصفحات تاريخه وحكايات المسنين الشعبيَّة التي تطرب الباحثين عن المتعة وحكايات الزمن الجميل... جامع «كتشاوة»، الذي بني أيَّام الدولة العثمانيَّة، تعني باللغة التركيَّة «المعيز»، جاءت تسميته من الساحة الملاصقة له والتي كانت سوقًا يباع فيه الأغنام، وهو من أشهر المساجد التاريخيَّة، تكفل ببنائه «حسن باشا» إبان الحكم العثماني، عام ١٦١٢م، وتمت توسعته في ١٧٩٤م، ليصبح واحدًا من أكبر مساجد الجزائر آنذاك، ويوثق تاريخه الحديث حقيقة الاستعمار وخبثه ودوره في محاولة طمس الأديان وسحق تاريخ الشعوب وحضارتها، وهو ما أفشله الجزائريون بصمودهم واستبسالهم وتضحياتهم العظيمة، فقد حول الدوق دو روفيجو مسجد «كتشاوة»، إلى كنيسة في عهد الاحتلال الفرنسي، تحت إمرة قائد الحملة الفرنسيَّة على الجزائر «دو بولينياك»، الذي أمر بإخراج جميع المصاحف الموجودة فيه ورميها في ساحة الماعز المجاورة التي صارت تحمل فيما بعد اسم ساحة الشهداء، و»أحرقها عن آخرها، فكان منظرًا أشْبَه بمنظر إحراق هولاكو للكتب في بغداد عندما اجتاحها». وفي مرحلة ثانيَّة قام بتحويل الجامع إلى إسطبل، بعد أن قتل فيه من المصلين ما يفوق أربعة آلاف مسلم كانوا قد اعتصموا فيه احتجاجًا على قرار تحويله إلى كنيسة، وكان يردد: «يلزمني أجمل مسجد في المدينة لنجعل منه معبد إله المسيحيين»، أعيد بناء المسجد من جديد في عهد الاستقلال الجزائري. تحدثنا «رشا» بلهفة وشغف، عن القصة المشهورة في التاريخ الجزائري، أو ما أطلق عليها بحادثة «المروحة»، ففي الـ(٢٩) من أبريل ١٨٢٧م، كان الداي «حسين»، «الكرغولي»، آخر الدايات ـ ولد في «أزمير» التركيَّة ـ يقيم حفلًا بمناسبة عيد الفطر المبارك بحضور الشخصيَّات وسفراء دول العالم، فحاول السفير الفرنسي مناقشته في ملف الدّين الذي تطالب الجزائر بإعادته بعد استيفاء المدة المقررة، وعندما رفض الداي مناقشة الموضوع في مناسبة خاصة بالعيد، وتأكيده على مفاتحة ملك فرنسا فيه، رد عليه السفير بعنجهيَّة قائلًا «ومَن أنت حتى تتحدث مع ملك فرنسا؟»، غضب الداي حسين ورماه بمروحة كانت في يده، وقيل بأنه وجهها إلى وجهه وأمر بطرده من القصر، وبعد ثلاث سنوات، أي في عام ١٨٣٠م، أنزلت فرنسا قواتها في ميناء «سيدي فرج» واحتلت الجزائر لمدة (١٣٢) عامًا، لوضع اليد على كنوز هذا البلد الذي كان ينعم بثروات كبيرة. تضيف «رشا»، بأن «الكرغولي»، مصطلح تركي الأصل، يشير إلى الأبناء المشتركين بين أب تركي وأُم جزائريَّة، أو العكس. تضمَّن البرنامج النشط لمعالم التطواف، «ساحة الشهداء»، التي تقع في القصبة السفلى بالعاصمة الجزائريَّة، وتزخر بتاريخ غني، حيث «تدلُّ الحفريَّات التي أجريت على أن تاريخ المكان يعود إلى الحقبة النوميديَّة»، بمجموعة من القصور ذات الطابع الإغريقي، وقد خصصت إبَّان الاحتلال الفرنسي مكانًا لإعدام المقاومين الجزائريين، وكانت تاريخيًّا «تضم أكبر سوق للرقيق الأبيض الأوروبي». «يتبع».

سعود بن علي الحارثي

[email protected]