الأحد 24 مايو 2026 م - 7 ذو الحجة 1447 هـ
أخبار عاجلة

في العمق : فـي ظلال الحج الأكبر.. تقوية أرصدة التكامل وترقية سنن الاختلاف

في العمق : فـي ظلال الحج الأكبر.. تقوية أرصدة التكامل وترقية سنن الاختلاف
السبت - 23 مايو 2026 10:56 ص

د.رجب بن علي العويسي

10

يعيش المسلمون في بقاع الدنيا الأيَّام العشر من ذي الحجة، بما تحمله من آمال وطموحات بتغيُّر الحال وتحوُّل المسار، ونهضة تأخذ بيدها إلى تحقيق الغاية من وجودها في وسطيتها وتسامحها وقوة مبدئها ورُقي فكرها وسُمو هدفها، في ظل ما تؤصله شعيرة الحج من قيم التكامل والوعي والإيجابيَّة والتعاضد والتكافل والوحدة والتعاون ووحدة الهدف والمصير، والثقة بالله والأمل به في تحقيق خيري الدنيا والآخرة، منطلقًا لإصلاح حال الأُمَّة وإعادة الهيبة إليها، وتعزيز وحدتها وضمان قدرتها على إدارة التحولات التي يعيشها عالمها، وإعادة هيكلة واقعها من جديد وفق نواميس الاختلاف المؤصلة لفِقه التكامل، والمؤكدة على مبدأ الوحدة.

إن الوصول بالأُمَّة إلى مرحلة التغيير لما تعيشه من نكبة الواقع وفجوة التباين والفرقة التي تعيشها، وتربص الأعداء وتكالب الأمم عليها، وغياب المشروع الذي يصنع لها قوة حضاريَّة عالميَّة في مواجهة التحديات، يضعها أمام مراجعة طريق العودة إلى الله وتعظيم حرماته وشرائعه، في ظل عالم يعيش الكثير من التناقضات، وتتجاذب شعوبه العديد من التيارات الفكريَّة التي تتجه به نحو الفوضى ومستنقع الخلاف، والذي تعيش فيه الأُمَّة اليوم أوضاعًا صعبة أرهقت الإنسان، وأضاعت الأوطان، وعطلت الأحكام، وألبست الإنسان لباس الجوع والخوف، وأسَّست للفرقة والتحزب والمذهبيَّة، والتي استغلها أعداء الأُمَّة في خدمة مصالحهم وتغييب العروة الوثقى بين أبنائها، بحاجة إلى مَن يوجّه مسارها ويهدي سبيلها، فكان الحج، بما يحتويه من معاني الوحدة والألفة وصدق الكلمة وحسِّ الإنسانيَّة وعظمة المشروع الحضاري، قاطرة عبور ومحطة مراجعة لحياة متجددة، وواقعًا جديدًا يتوافق مع نهج الرشاد، ويستجيب لفطرة السماء. وهل هناك من مواسم أعظم وأقوى أثرًا من مواسم الدِّين وشعائره العظيمة (الحج الأكبر ورمضان) في ترجمة هذا التحول إلى سلوك راقٍ، والتزام ذاتي نابع من صدق مع الله، في ظل اختيار الإنسان ورغبته وتشوقه لأداء شعائر الله والتزام حدوده وتعظيم حرماته، وهي تحمل رسالة الألفة والتعاون والسلام والوئام ووحدة الهدف والتقارب والتناغم في وجهات النظر، بما ينعكس في قدرة الأُمَّة على إعادة ترتيب أوضاعها وتحديد أولويَّاتها، وتأطير ممارساتها، وتوجيه مواردها وثرواتها لصالح التنمية والبناء والتطوير والاستقلاليَّة والاعتماد على الذَّات.

إن مشترك الحج بذلك صرخة في وجه كل التناقضات التي تعيشها البشريَّة، والتوجّهات السلبيَّة التي باتت تعكر صفو الوداد بين شعوبها وأقطارها، ودحض لكل الافتراءات التي تصور الاختلاف بأنه نهاية المطاف وطريق الفوضى ومسلك الاستعلاء والسيطرة ونهب الثروات وانتزاع سيادة الأوطان والوصايَّة والإملاء عليها، وغلبة جانب المصلحة الشخصيَّة على كل القيم والأخلاق، والطريق المشؤوم الذي يؤسِّس لمرحلة التصادم وعدم فتح أي فرصة للتفكير في الحوار وإعادة النظر في القرارات، ذلك أن فلسفة الحج الفكريَّة والعقديَّة بُنيت على أساس أن الاختلاف البشري في اللُّغة والجنس والشكل والبلد والاستطاعة والقدرة مسلَّمات واردة لا تحتاج إلى تفسير أو دليل إثبات، وهي اختلافات دنيويَّة ليست في مقياس الحقِّ بشيء، ولا تؤثر في ميزان العدالة الإلهيَّة قيد أنملة، فالله جل جلاله خلق الإنسان في أحسن تقويم، وجعل من التعدديَّة والتنوع حكمة التعارف التي هي مصب الاختلاف، وميزان التقوى غاية العمل ومنتج القَبول، وبالتالي فهي منطلقات لمشتركات أقوى وتكاملات أفضل.

إنها فرصة التحول بوحدة اللباس «الإزار والرداء» إلى تمازج الأفئدة وتقاسم الآمال والتشارك في الطموحات، وغلق أبواب الضرر وفتح منافذ التواصل والحوار والتفاعل، وبناء مناخات أصدق لأخوة إنسانيَّة تتشارك التاريخ واللُّغة والدِّين والقرآن والغايات والأهداف والتحديات، ونقل محور العدالة الظاهريَّة التي تبرزها مناسك الحج وأحكامه، وطرق المساواة التي يصنعها في بني البشر إلى عمق الإنسان الواعي الذي يستشعر دوره في نهضة الحياة وجلال قدرها، بصفائه وصدق ضميره ونقاء سريرته وسُمو أخلاقه وثقته في بني جنسه، ليقطع الطريق أمام أي محاولة لانتزاع فرص التفاؤل والإيجابيَّة، وسد أي ذريعة للاقتتال وزرع بذور الشقاق بين الإخوة والأشقاء والأصدقاء مهما اختلفت أديانهم ومذاهبهم وأعراقهم وألوانهم.

كما أن جملة الدلائل التي تبرزها شعيرة الحج من وحدة اللباس والطواف والرمي والسعي والوقوف بعرفة والهدي والتحلل بالحلق أو التقصير وغيرها، والدعاء والذكر والتكبير والتسبيح والعج والثج، محطات لتقوية أرصدة التكامل بين بلدان الإسلام وشعوبها، وتصبح عمليَّات التمازج الحاصلة في أداء المناسك في المشاعر العظام موجّهات لاستشعار قيمة الحياة في ظلال الوحدة، وعمق العطاء في سُمو الفكرة، وقوة الرأي في صدق الأخوة، في ظل ترسيخ لعُرَى التكامل وانتزاع الأنا والأنانيَّة من النفس، وتأصيل ثقافة احترام الآخر والاعتراف به، والتعايش والتقارب معه، وعندها تصبح مناسك الحج الأكبر الهُويَّة الجامعة والعروة الوثقى في بناء محطات السلام الداخلي، ونقل تأثيرها لتعم الكون بأسره أمنًا وأمانًا، ويبقى زاد التقوى المحصلة الكبرى التي تترجم هذه الغايات وتحتوي مسارات الاختلاف في مشهد إيماني لم تأتِ الحياة بمثله، ولن يتكرر في غير المشاعر العظام.

وفي ظل المشهد المتأزم الذي بات ينعكس على مسار العمل العربي والإسلامي، يبقى دور المخلصين من قيادات الأُمَّتين العربيَّة والإسلاميَّة المعتدلة، وما تحمله من رسالة السلام والأمن والاستقرار، نافذة أمل تشرق لتصحيح اختلالات الواقع، والأخذ بيد السياسة الدوليَّة وردها إلى رشدها وتوجيهها إلى إصلاح ذاتها ونزع فتيل الخلاف المفضي إلى النزاعات والحروب بين الأشقاء والأصدقاء والإخوة، وإذابة كل المسوِّغات التي باتت تشرِّع الكراهية والأحقاد. فإن لحكمة السياسة ودبلوماسيَّتها وصدق الإرادة وثبات العزيمة، والانتصار للمشتركات والقيم، وحسّ الإصرار على انتشال واقع الأُمَّة المؤسف، عبر البحث في القيمة المضافة لهذه المواسم، والقواعد الإيمانيَّة التي تعتمدها، والحكم الربانيَّة التي تؤسسها، والقيم النبيلة التي توجّه بوصلتها لتكون محطات للمراجعة وإعادة هندسة التغيير، فتقوى أواصر التعاون وتتلاشى مسبِّبات الخلاف، وتنقشع حالات التأزم، وتزول منغصات الحوار، عندها يستلهم المسلمون من شعيرة الحج الأكبر طريقهم للوحدة، ومنهجهم لترقية جوانب التواصل، وتعميق مساحات اللقاء، وتقريب وجهات النظر وفق قاعدة التواصي بالحقِّ والتواصي بالصبر؛ باعتبارها معايير إنجاز وشواهد إثبات تتيح للأُمَّة بناء محطات أكبر لجمع الشمل ورأب الصدع، وتحقيق منهج التسامي فوق كل مسبِّبات الخلاف، والتكامل في ظل اختلاف.

ويبقى ما تحمله مبادئ الحج وقيمه وأخلاقيَّاته، وما تعكسه رؤيته الإيمانيَّة من مفردات حياتيَّة راقية ومفاهيم دقيقة تتعايش في ظلالها القيم، وتنمو في مواردها المودة والرحمة، وتتصالح فيها النفوس، ويعيش فيها البشر سلامهم الداخلي في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم، موجّهات لرسم خريطة الوجود الإنساني بدايته ومنتهاه، واقعه وتحدياته، اهتماماته وطموحاته، تأخذ بأسباب العلم والعمل، ومنهجيَّات التقدم والتطور، والبحث والابتكار، والاكتشاف والمبادرة الجادة، في ظل رؤية أوسع للعالم وأحداثه، وقراءة واعية معمقة للتحولات التي تحيط بإنسانيَّة الإنسان وأمنه واستقراره وتعليمه وتعلمه.

وعليه، فإن ما تعيشه المنطقة من أحداث وتداعيات التصعيد العسكري، وحالة الاحتقان السياسي والإعلامي الذي تمرُّ به، وسلوك عدم الثقة الذي ولدته؛ بحاجة إلى أن تجد في ظلال رسالة الحج الأكبر طريق فرجتها، وقرار حسمها، وموجّهات ضبطها، ونهوضًا أكبر للمشترك الإنساني، والوعي الجمعي بما يضمن تحقق مسار التغيير للواقع ونهضة التحول لبناء مرحلة جديدة من العلاقات والشراكات والهُويَّات والقناعات، القائمة على تعزيز صدق الأخوة، ورصانة مبدأ الثقة، ووضوح التشريعات والأنظمة التي تحتكم إليها دول المنطقة في سياساتها، وفق قواعد الشرع ومبادئه، وحكمة القانون وضمان عدالته، واحترام ثقافة الآخر وسيادته على أرضه وموارده، وعدم التدخل في الشؤون الداخليَّة للغير، بما يحفظ مساحات الود باقية، وأرضيَّة الحوار ممتدة، ومبادئ وقواعد السياسة ثابتة، وبما يضمن استدامة مسارات التقدير للمنجز الحضاري، والاحترام لسياسات وثقافات شعوب دول المنطقة، في ظل سياسة إعلاميَّة راقية، ومنهج فكري متزن، وسياسة تتسم بالثبات والمصداقيَّة.

من هنا فإننا نراهن على شعيرة الحج الأكبر منطلقًا لإعادة رسم مسار الأُمَّة وتوجيه إرادتها، بحيث تقرأ في مضامين الحج الأكبر وغاياته ودلالاته القوة الناعمة التي تعيد تصحيح الواقع ورسم صورة المستقبل في قناعة وفكر وسلوك أبنائها وثقافتهم وهويَّتهم، وفي توجّهات قياداتها ودعمها للمشروع الحضاري القائم على تعزيز الوحدة، وجمع الكلمة، وبناء أرضيَّات أوسع للثقة والحوار والتكامل، في مختلف المجالات الأمنيَّة والعسكريَّة والتكنولوجيَّة والاقتصاديَّة والتجاريَّة والتنمويَّة والأمن الغذائي والتصنيع والإنتاج، بما يجنبها مخاطر التمزق والخلاف، واستغلال أعدائها هذه الهشاشة والخلاف لزعزعة استقرار المنطقة.

د.رجب بن علي العويسي

[email protected]